لعبت الظروف السياسية التي مرت بها الأمة العربية دوراً بارزاً في أن تكون الحرب موضوعاً رئيسياً للرواية العربية، خاصة لدى الأدباء الذين ينتمون إلى البلدان التي دخلت في مواجهات عسكرية مباشرة مع إسرائيل مثل مصر وسوريا ولبنان والأردن وفلسطين.
وقد مثّل موضوع الحرب قاسماً مشتركاً في نحو 85% من الروايات العربية التي كُتبت خلال الفترة الممتدة من 1956 إلى 1976، وهى المدة الزمنية التي شهدت ذروة الصراع المسلح بين العرب وإسرائيل.
ثم جاءت الحروب الأهلية والصراعات الداخلية التي أصابت بعض الأقطار العربية، وفى مقدمتها لبنان، لتزيد من عدد الروايات التي تطرقت لموضوع الحرب، فضلاً عن تلك الروايات التي جعلت من الكفاح المسلح ضد الاحتلال خلال الحقبة الاستعمارية موضوعاً لها.
وتعاملت الرواية العربية مع الحرب العادلة، على أنها تلك التي تهدف إلى تحقيق غاية مشروعة ونبيلة، مثل الانتصار للحق ودفع الظلم، وتحرير الأرض من مغتصبها، وصيانة العرض والكرامة الوطنية من أى معتدٍ يسعى لانتهاكها، وحماية الثروات الوطنية من أى دخيل يريد نهبها.
وتدخل بنا رواية «ساحل الأبطال» للكاتب الإماراتى على محمد راشد على الفور إلى قلب الحرب العادلة، من وجهة نظر كاتبها، حين تبين كيف كان القواسم يدفعون اعتداء الإنجليز على مياه الخليج العربى والأرض العربية، فها هو بطل الرواية، النوخذة صالح، يتساءل: «هل نحن ذهبنا إليهم في بلادهم وقاتلناهم حتى يأتوا إلينا لينتقموا منا ويأخذوا بثأر قتلاهم؟
لا أعتقد، فلم أسمع بأحد منا زار بلادهم، بل لا نعرف أين تقع أو كيف يذهبون إليها.
لماذا إذن كل هذا؟ أم أنهم استكثروا علينا أن نعيش أحراراً في بلادنا».
وتكرر الرواية الأمر نفسه على لسان شخصية أخرى من شخصياتها، وهو خلفان، صديق صالح، حين يؤكد أن «مياه الخليج عربية ولا يجوز أن يمر بها سوى العرب أو من يتعاملون مع العرب، ولكن هؤلاء الأجانب ما لهم وما لنا، بماذا يأتون إلى هنا؟ »، ثم تثبت الرواية هذا الموقف مرة ثالثة على لسان أحد مشايخ القواسم، وهو الشيخ حسين بن على، حين يقول هو الآخر: «إننى لأعجب لهؤلاء الإنجليز.
ماذا يريدون منا؟ نحن قوم مسالمون، عاش أجدادنا على هذه الأرض، ونحن ورثناها منهم، ولا نريد إلا العيش بسلام.
فلماذا يأتون إلينا؟ »،وهذا التساؤل ينبع من اعتقاد جازم بأن الحرب قد فُرضت على القواسم، ولذا فإن مقاومتهم للجيش البريطانى هى من قبيل دفع العدوان، وهو ما يؤكده «صالح» في موضع آخر من الرواية حين يقول: «إننا نحن أصحاب الأرض والماء وأنتم جئتم إلينا غازين، ولو جئتم مسالمين ما حدث ما حدث»، ثم يفند الادعاء الذى أطلقه الإنجليز على القواسم بأنهم قراصنة، مؤكداً أنهم «طلاب حق وأصحاب أرض».
وتذهب الرواية إلى ترسيخ قيمة عظيمة مبناها أن الحرب العادلة تقتضى من المحاربين أن يضحوا بكل غالٍ ونفيس في سبيل الانتصار لحقوقهم، فأهالى رأس الخيمة، رغم عدم التكافؤ بين قوتهم وأسطول البريطانيين الضخم، كانوا أكثر إصراراً على الكفاح، وهاجموا الغزاة، دون وجل، وحناجرهم تعلو بالتكبير.
وتبلغ التضحية ذروتها حين يسقط النوخذة صالح جريحاً، لكنه لا يلقى سلاحه، بل «يحتضنه كأم رؤوم تضم إليها ابنها»، لينجز بذلك العهد الذى قطعه على نفسه، حين قال لصديقه خلفان، في معرض حديثه، ذات يوم، عن العدوان الإنجليزى: «وهل تعتقد أن باستطاعتهم أن ينزلوا بأرضنا، وبصدورنا نَفَس يتردد؟ لا وألف لا.
والله لن نجعلهم يطأون رأس الخيمة إلا على جثثنا».
وتبين الرواية كيف كانت مواقف كل أهالى رأس الخيمة، لا تختلف عن موقف «صالح»، من حيث الإيمان بعدالة القضية، ومن ثم الاستعداد للموت في سبيلها، وكأن الرواية هنا تفسر جزءاً مهماً من أسباب صمود القواسم أمام الإنجليز رغم تفوقهم في العدد والعدة، لسنوات طويلة.
أما هؤلاء المغاربة الذين ذهبوا إلى الهند الصينية ليحاربوا تحت راية الاستعمار الفرنسى، كما تحدثنا رواية «رفقة السلاح.
والقمر» للكاتب المغربى مبارك ربيع، فقد كانوا يؤمنون بأنهم لا يقاتلون في سبيل غرض نبيل أو قيمة عظيمة، إنما هم مجبرون على مسايرة الفرنسيين في حربهم الاستعمارية، غير العادلة.
ويعبر الشيخ مأمون الركراكى، والد المقدم سلام، بطل الرواية وقائد الكتيبة المغربية التي شاركت في حرب أكتوبر 1973 إلى جانب القوات السورية، ضد إسرائيل، عن هذا الوضع، في معرض حديثه إلى ابنه قائلاً: «آه يا ابنى يا سلام، آه على وجوه لطختها الأوحال في جهاد غير الجهاد، في أدغال الهند الصينية.
بطولات الفتوة والشباب ضاعت يا ابنى في أدغال الهند الصينية، ومعارك نابولى».
وتقارن الرواية بين موقف «الركراكى» والوضع الذى كان فيه ابنه «سلام»، فالأخير شارك في حرب عادلة، لأنها كانت تستهدف تحرير الأرض العربية من يد الاحتلال الإسرائيلى، وهو ما كان الأول على وعى تام به، إذ كان يؤمن بأن مهمة ابنه شريفة وعظيمة، ولذا نصحه «لا تنسَ كل شىء.
ملامح الوجوه.
الخطوط، الأرض، والتراب، لون السماء والقمر والشمس وهب النسيم.
أريد أن أكون معك، مع جميع الأولاد، إنى معكم جميعاً».
وتعكس الرواية هذا الإيمان بعدالة الحرب من خلال ما جاء على ألسنة بعض شخصياتها، وهم يتحدثون في ميدان القتال عن العدو وضرورة تحرير الأرض والثأر لهزيمة يونيو 1967، فشاب سورى يدعى «عطفة» يقول: «يُخيل إلىّ أنه لا يكاد هنا يخلو بيت من شهيد، نستطيع أن نقدم المزيد.
وما نحن إلا ذرة من أمة المائة مليون»، ثم تأتى شخصية أبومحمد لتترجم هذا القول إلى فعل، حين يبدى ضجره من تأخر انطلاق الحرب، «قالوا لنا تعالوا لمعركة نظامية من أجل الشرف والحق، فجئنا لنسقط في فترة من الرخص والإجازات السياحية.
لو عرفنا هذا، لو عرفت لانخرطت في خلية فدائية أو فرقة انتحارية»، ثم تقترب الرواية أكثر من تحويل كلام عطفة إلى واقع ملموس، عبر حالة مقاتل يدعى رئيف، فهو لم يحزن لفقد يده في الحرب، إنما قال في صبر «من الترف أن يملك العربى يدَين اثنتين.
فلقد ملكناهما دهوراً ولم نفعل شيئاً، وربما كانت إحداهما تعطل عمل الأخرى».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك