كشفت أبحاثٌ حديثة في تاريخ العلم عن ملاحظاتٍ هامشية يرجح أنها بخط عالم الفلك الإيطالي غاليليو غاليلي، عثر عليها في نسخة من كتاب الألماجست تعود إلى القرن السادس عشر.
ويقدّم هذا الاكتشاف معطيات جديدة حول المسار الفكري الذي سبق التحول العلمي لغاليليو، ويبرز طبيعة انخراطه المبكر في دراسة التراث الفلكي القديم قبل أن يساهم في تغييره.
وأعلن عن هذا الاكتشاف في النصف الثاني من فبراير/ شباط الماضي بمدينة فلورنسا، بعد تحقيق أجراه المؤرخ الإيطالي إيفان مالارا أثناء فحصه عدداً من الطبعات القديمة من كتاب" الألماجست" المحفوظة في المكتبة الوطنية المركزية في فلورنسا.
وقد لاحظ الباحث وجود ملاحظات مكتوبة بخط اليد في هوامش نسخة لاتينية مطبوعة سنة 1551، إضافةً إلى نص من المزمور 145 كتب في إحدى الصفحات الفارغة من الكتاب.
وأثارت طبيعة الخط وأساليب الاختصار المستخدمة في الهوامش انتباه الباحث، ما دفعه إلى إجراء مقارناتٍ مع مخطوطات معروفة لغاليليو.
وأظهرت الفحوص التي شارك فيها مختصون في متحف غاليليو أن أسلوب الكتابة وطريقة التعليق يتطابقان بدرجة كبيرة مع ما هو معروف عن كتابات العالم الإيطالي.
وقد عرض مالارا نتائج بحثه في دراسة أعدّها للنشر في Journal for the History of Astronomy، فيما نشرت تقارير علمية وأكاديمية حول الاكتشاف خلال شهر مارس/ آذار الجاري.
ملاحظات غاليليو غاليلي المكتشفة تعود إلى نحو سنة 1590ويعد كتاب الألماجست، الذي ألّفه في القرن الثاني الميلادي عالم الفلك كلوديوس بطليموس، أحد أبرز الأعمال العلمية في تاريخ الفلك.
وقد قدّم تصوراً للكون يقوم على مركزية الأرض، مع نظام رياضي معقّد من الدوائر والتدويرات لتفسير الحركة الظاهرية للكواكب.
وظل هذا النموذج المتمركز حول الأرض الإطار المرجعي للفكر الفلكي الغربي لما يقرب من أربعة عشر قرناً، واستمر تدريسه في الجامعات الأوروبية حتى أواخر عصر النهضة.
وتكشف الهوامش المكتشفة أن غاليليو تعامل مع هذا العمل بوصفه مادةً علميةً للدراسة الدقيقة.
فقد علّق على عدد من المقاطع وناقش بعض عناصر البناء الرياضي للنموذج البطلمي، وهو ما يشير إلى انخراطه في تحليل منهجي للمعرفة الفلكية الموروثة.
ويُرجّح الباحثون أن هذه الملاحظات تعود إلى نحو سنة 1590 م، أي قبل نحو عقدين من الملاحظات التلسكوبية التي قادته لاحقاً إلى نشر كتابه" الرسول النجمي" Sidereus Nuncius عام 1610.
ويشير مؤرخ الفلك جيمس إيفانز إلى أن بعض الكتابات التاريخية قدّمت غاليليو غالباً بوصفه مفكراً يعتمد على الرؤية العامة أكثر من اهتمامه بالتفاصيل التقنية لعلم الفلك.
غير أن الملاحظات المكتشفة ترسم صورة مختلفةً لعالم شاب منخرط في دراسة دقيقة للحسابات والنماذج الرياضية التي شكّلت أساس الفلك القديم.
ويرى مالارا أن هذا التفاعل المبكر مع أعمال بطليموس ساهم في تشكيل أدوات غاليليو التحليلية، ما مكّنه لاحقاً من تقييم النماذج الكونية البديلة.
ويُرجّح أن الفهم العميق للبنية الرياضية للنموذج الجيومركزي ساعده في إدراك حدوده، وفي تقدير القوة التفسيرية للنظام الشمسي الذي اقترحه نيكولاس كوبرنيكوس.
ويقدّم هذا الاكتشاف قراءة أكثر تدرجاً لمسار التحول العلمي في مطلع العصر الحديث، إذ تشير الأدلة الجديدة إلى أن انتقال غاليليو نحو تبنّي النموذج الشمسي لم يكن قطيعة مفاجئةً مع التراث القديم، بل جاء نتيجة مسارٍ معرفي قام على دراسة دقيقة للنصوص الكلاسيكية وتحليلها النقدي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك