معالم تربية الفرد والمجتمع المسلم في خطبة حجّة الوداعوصلت الأمَّة الإسلاميَّة في السَّنة العاشرة مرحلةً من النُّضج متقدِّمةً، وكان ذلك يقتضي لمساتٍ أخيرةً، فوسَّع (ﷺ) في العام التَّاسع، والعاشر من الهجرة دائرة التَّلقِّي المباشر، من خلال استقباله الوفود، ومن خلال رحلة الحجِّ، فأوجد قاعدةً عريضةً تحمل دعوته، وقد تلقَّت عنه مباشرة، وكان لذلك أكبر الأثر في أن تبقى رَحَى الإسلام دائرةً، وإلى الأبد (حوى، 1989، ص 2/1054)، ففي حجَّة الوداع كانت اللَّمسات الأخيرة في تربية الأفراد والمجتمع على كتاب الله وسنَّة رسوله (ﷺ).
- تربية الأفراد على قطع الصِّلة بالجاهليَّة، والابتعاد عن الذُّنوب: أ - فقد أشار (ﷺ) إلى أهمِّيَّة قطع المسلم علاقته بالجاهليَّة: أوثانها، وثاراتها، ورِباها، وغير ذلك، ولم يكن حديثُه (ﷺ) مجرَّد توصيةٍ، بل كان قراراً؛ أعلن عنه للملأ كلِّه؛ لأولئك الَّذين كانوا مِنْ حوله، والأمم الَّتي ستأتي مِنْ بعده، وهذه هي صيغة القرار: «ألا إنَّ كلَّ شيءٍ من أمر الجاهليَّة تحت قدمي موضوعٌ، دماءُ الجاهليَّة موضوعةٌ.
وربا الجاهليَّة موضوعٌ» (البوطي، 1991، ص 303)، لأنَّ الحياة الجديدة الَّتي يحياها المسلم بعد إسلامه حياةٌ لا صلة لها بِرِجْسِ الماضي، وأدرانه.
ب - وقد حذَّر (ﷺ) من الذُّنوب، والخطايا، والآثام، ما ظهر منها، وما بطن؛ لأنَّ الذُّنوب، والخطايا تفعل بالفرد ما لا يفعله العدوُّ بعدوِّه، فهي سبب مصائبه في الدُّنيا: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾ [الشورى: 30] فـتُـرْدِيه في نار جهنَّم في الآخرة، وتفعل في المجتمعات ما لا يفعله السَّيف.
وأعلن رسولُ الله (ﷺ) أنَّه لا يقصد بالخطايا العودة إلى عبادة الأصنام؛ لأن العقول الَّتي تفتَّحت على التَّوحيد ترفض أن تعود إلى الشِّرك الظاهر، ولكنَّ الشَّيطان لا ييئس من أن يجد طريقه إليها من ثغرات الخطايا، والذُّنوب، حتَّى تُرْدِي صاحبها في المهاوي.
- تربية المجتمع على مبادئ أساسيَّة: أ - الأخوَّة في الله هي العُروة الوُثقى الَّتي تربط بين جميع المسلمين: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10]، فقد قال(ﷺ): «أيُّها النَّاس! اسمعوا قولي، واعقلوه، تَعَلَّمُنَّ: أنَّ كلَّ مسلمٍ أخٌ للمسلم، وأنَّ المسلمين إخوةٌ؛ فلا يحلُّ لامرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفسٍ منه، فلا تَظْلِمُنَّ أنفسكم».
وقال: «إنَّ دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم عليكم حرامٌ، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، حتَّى تلقَوا ربَّكم فيسألَكم عن أعمالكم، ألا فلا ترجعوا بعدي ضُلاَّلاً يضرب بعضُكم رقاب بعض».
[سبق تخريجه].
ب - الوقوف بجانب الضَّعيف، حتَّى لا يكون هذا الضَّعف ثغرةً في البناء الاجتماعيِّ.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك