فى منطقة «سيدى بشر»، شرق الإسكندرية، لا تحتاج كثيراً لتدرك أن شهراً استثنائياً يمر على المصريين هذا العام؛ زينة رمضان تتدلى من الشرفات، بينما لا تزال بعض البيوت تحتفظ بذكريات «الكريسماس» القريبة، بالإضافة إلى طقوس الصوم الكبير حالياً في هذه المنطقة تختلط المشاهد، فلا يمكنك أن تفرّق بين بيت مسلم أو مسيحى؛ لأن الجميع يعيش حالة واحدة عنوانها «الصيام».
كلاهما يعلق زينة رمضان، وهذا العام، اجتمع صوم شهر رمضان المبارك مع «الصوم الكبير» لدى المسيحيين، فاختلطت موائد الامتناع، قبل أن تختلف موائد الطعام، واتفق المصريون، كعادتهم، على روح المشاركة قبل أى شىء آخر.
«رانيا»: مصر كلها «صايمة» في وقت واحدتحدثت رانيا نسيم بشاى، معلمة من الإسكندرية، لـ«الوطن»، بينما كانت تشير إلى الزينة المعلقة على باب منزلها، قائلةً: «السنة دى بنحتفل بصيام عيد القيامة المجيد، وصيام شهر رمضان المبارك مع بعض، يعني مصر كلها صايمة في وقت واحد، ودى من أجمل الأيام اللي بنعيشها سوا»، وأضافت «رانيا»، بينما كان أطفالها يتحركون حولها يحملون فوانيس صغيرة، صنعوها بأنفسهم لتقديمها هدايا إلى جيرانهم، كما جرت العادة في كل سنة: «إحنا في مصر متعودين على المشاركة، ودى أحلى حاجة في بلدنا، هتدخل بيتنا تلاقى زينة رمضان، وقبلها بشهر كانت البيوت كلها متزينة بشجرة الكريسماس، الفكرة مش في المناسبة، لكن الفكرة في الفرحة اللى بنشاركها مع بعض».
داخل المنزل، تبدو الاستعدادات اليومية للصيام مشهداً مألوفاً، رغم اختلاف الطقوس، فالصوم الكبير لدى المسيحيين يتضمن فترات انقطاع عن الطعام، وهو ما يجعل توقيت الإفطار متقارباً أحياناً مع موعد إفطار جيرانهم المسلمين، واستطردت «رانيا» في هذا الصدد بقولها: «إحنا تقريباً بنفطر مع بعض، لأن الصيام الكبير فيه انقطاع عن الأكل، وإخواتنا المسلمين برضه صايمين، فالأيام كلها بركة وخير»، مشيرةً إلى أن أسرتها لا تكتفى بالمشاركة المعنوية فقط، بل تحرص على الاحتفال العملى بالشهر الكريم، وقالت عن ذلك: «أحرص أن أحتفل مع جيرانى بحلول شهر رمضان، وأحب أن أقدم لهم هدايا زى الفوانيس والسبح وتوزيعات رمضان، وحتى عربيات الفول والقطايف الصغيرة، كل الحاجات دى بنعملها بإيدينا أنا وولادى مع بعض بكل حب».
هذه الروح انتقلت تلقائياً إلى الجيل الجديد، حيث أكدت ابنتها، فيرونيا إبراهيم، طالبة جامعية، أن هذه المشاركة جزء من هويتها الشخصية، وقالت: «كل سنة أنا وأسرتى بنشارك أصحابنا وجيراننا في رمضان، باعمل ورش فنية لزمايلى في الجامعة، بنعلم بعض إزاى نصنع فوانيس من الخرز»، وأضافت: «باحرص كمان أهدى أساتذتى وأصحابى سبح وفوانيس رمضان، والحقيقة بيستقبلوها بفرح كبير جداً، لأن الهدية هنا معناها محبة، مش مجرد شكل».
هذه المشاهد، كما يؤكد أفراد الأسرة، ليست جديدة أو طارئة، بل هى امتداد لذاكرة مصرية قديمة، وقال نسيم بشاى، 73 سنة، والد «رانيا»، وجد «فيرونيا»، بينما كان يستعيد ذكريات سنوات طويلة عاشها بين أحياء الإسكندرية: «إحنا اتربينا على عادات قديمة ورثناها من أهلنا، وبنحاول نورثها لأولادنا وأحفادنا، زمان رمضان كان كل البيوت، مسيحية وإسلامية، بتحتفل بيه»، واستطرد قائلاً: «كنا نتشارك الأكل، ونعلق الزينة في الشوارع، والأجواء كانت مفرحة جداً، رمضان زمان كان فيه تجمعات أكتر، الأطفال والكبار كلهم مع بعض»، واعتبر أن تغير نمط الحياة قلل من التجمعات، لكنه لا يلغى روح المشاركة، موضحاً: «دلوقتى المشغوليات كتير، لكن الفرحة لسه موجودة، وأنا بافرح لما أشوف أولادى متمسكين بالعادات اللى اتعلمناها، وبيكملوا المشوار».
«سحر»: «أندرو» بيوزع الفوانيس على الجيران كل سنةفى العقار نفسه، أكدت سحر جمعة، ربة منزل، أن الصيام هذا العام أوجد حالة خاصة من التقارب بين الجميع، وقالت: «الصيام جمعنا السنة دى أكتر، بنتجمع مع بعض، ومتعودين إن أندرو، ابن رانيا، يوزع فوانيس على كل الجيران في الشارع»، وتابعت ضاحكة: «حتى لو نوع الأكل مختلف، بنقعد على سفرة واحدة وقت الفطار، المهم إننا مع بعض».
مشهد المائدة المشتركة يلخص الحكاية كلها؛ أطباق نباتية تناسب الصوم الكبير، وأخرى تقليدية لرمضان، لكنها تجتمع حول هدف واحد مضمونه «المشاركة الإنسانية قبل الاختلاف الدينى»، ففى مصر، لا يبدو الصيام مجرد عبادة فردية، بل تجربة اجتماعية ممتدة، تتجلى في تبادل الطعام والهدايا والزينة، وفى إحساس جماعى بأن الامتناع عن الطعام يقود إلى الامتلاء بالمحبة.
هنا، في شوارع سيدى بشر بالإسكندرية، قد تختلف مواعيد الصلاة، أو طبيعة الطعام، لكن القلوب تصوم معاً، وتفطر معاً أيضاً على معنى واحد، وكأنهم يؤكدون أن «مصر حين تصوم، تصوم بروح واحدة».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك