«إن أصل كل معصية وغفلة وسهو، الرضا عن النفس، وأصل كل طاعة ويقظة وعفة، عدم الرضا عنها»، هذه الكلمات المضيئة هي للزاهد الورع التقي ابن عطاء الله السكندري «658-709ه»، وتلك الكلمات تشير إلى شخصية عابد يتمسك بمحاسبة نفسه حتى يسير بها نحو طريق الرشاد والصلاح، وتلك المحاسبة هي من صفات المؤمن الحقيقي الذي لا يرضى بغير اليقظة والعفة وتقوى ومخالفة هوى النفس وترك أطماع الدنيا وملذاتها، وذلك هو مقام الزهد.
السكندري هو تاج الدين أبو الفضل أحمد بن محمد بن عطاء الله الجذامي، نسبة إلى قبيلة جذام في مصر، أقبل منذ صغره لينهل من العلوم الدينية والشرعية واللغوية، وتبحر كذلك في دراسة القرآن وتفسيره، وفي علوم الحديث والفقه، وفي اللغة العربية من نحو وأدب، كما أنه تلقى العلم في التفسير والحديث والفقه والأصول على يد ناصر الدين بن المنير، وتلقى علم الكلام والفلسفة على يد الشيخ شمس الدين الأصفهاني، والعديد من المشايخ فهو فقيه مالكي وصوفي شاذلي الطريقة، بل ويعد أحد أركان الطريقة الشاذلية الصوفية، ويحمل عدداً من الألقاب التي تدل على مكانته الكبيرة وسط علماء زمانه ومنها: «قطب العارفين»، و«ترجمان الواصلين»، و«مرشد السالكين»، وغير ذلك من الألقاب.
كان السكندري رجلاً صالحاً عالماً يحضر مجلسه الكثير من طلاب العلم، وكان لوعظه تأثير في القلوب، ومعرفة تامة بكلام أهل الحقائق ومعرفة بكلام الصوفية وآثار السلف، ويدعو الناس إلى أن تكون قلوبهم مع الله، والاستغناء عن كل صحبة أخرى.
في مستهل حياته، لم يكن السكندري قريباً من طريق الروحانيات، بل كان منكراً على أهل التصوف، غير أن منعطفاً كبيراً حدث في مسيرته المعرفية بعد أن صحب شيخه أبو العباس المرسي واستمع إليه في الإسكندرية فأعجب به إعجاباً شديداً وأخذ عنه طريق الصوفية وأصبح من أوائل مريديه.
وتنبأ له أبو العبَاس يوماً فقال له: «والله لا يموت هذا الشاب حتى يكون داعياً إلى الله وموصلاً إلى الله والله ليكونن لك شأن عظيم والله ليكونن لك شأن عظيم والله ليكونن لك كذا وكذا».
اشتهر السكندري بمقولاته ومواعظه التي يلقيها على الناس لتقويمهم وتهذيب نفوسهم، لينالوا من المعارف ما فيها من خير كثير، وكان يدعو على الدوام إلى إعمال العقل وأن يقبل المرء على دروب الإيمان بالتدبر والتفكر، حيث إن الدين وجه المؤمنين إلى ضرورة التفكير العميق، كما كان يدعو السالكين إلى عدم السعي نحو نيل رضا الناس، بل الله سبحانه وتعالى، وكان يقول: «الناس يمدحونك بما يظنون فيك، فكن أنت ذامّاً لنفسك لما تعلم منها، فإن أجهل الناس من ترك يقين ما عنده لظن ما عند الناس، غبْ عن نظر الخلق إليك بنظر الله إليك»، حيث كان يرى أن رضا الناس عن المؤمن يشغله عن السير في طريق مرضاة المولى عز وجل، ويزين له زينة باطلة، يخيل إليه معها أنه في الطريق الصحيح، بينما هو يبتعد شيئاً فشيئاً عن طريق الله سبحانه وتعالى، بل وكان يحض على السير في طريق الطاعات فكان يقول: «القلب شجرة تسقى بماء الطاعة، وثمراتها مواجيدها، فالعين ثمرتها الاعتبار، والأذن ثمرتها الاستماع إلى القرآن، واليدان والرجلان ثمرتها السعي في الخيرات».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك