في خضم المراجعات التي أعقبت حرب 2023 – 2024 بين إسرائيل وحزب الله، بدأت تتردد قصص في المجالس الخاصة.
كان الرواة أشخاصاً مقربين من حركة المقاومة، من بينهم قادة ميدانيون فلسطينيون من الجيل القديم يحظون باحترام كبير.
وكان عددهم أكبر مما قد يظن المرء.
وتناولت إحدى الروايات على وجه التحديد محادثة بين حسن نصر الله زعيم حزب الله، وإبراهيم عقيل قائد وحدة الرضوان النخبوية، أو «ساموراي» المقاومة.
وتقول الرواية إن عقيل حث نصر الله على إعادة النظر في استراتيجية الرد بالمثل مع إسرائيل.
كان منطقه واضحاً: فحركة المقاومة لم تُبنَ لخوض حرب منخفضة الوتيرة، فقد استندت عقيدتها العسكرية إلى ركيزتين: هجوم خاطف يجتاح الجليل ويستولي عليه، ودفاع بري متخفٍّ.
كان نصر الله هو المهندس لسجل هويات حزب الله المتعددة: قوة عسكرية إقليمية، حركة مقاومة لبنانية، حزبا سياسيا، قوة تعمل خارج إطار الدولة وتتمتع بحضور وازن داخلها، وجهاز خدمات اجتماعية ضخما.
وكان يعتقد أن قوة الردع التي يمتلكها الحزب راسخة، وأن المخاطر قابلة للاحتواء.
لكن في النهاية، من الواضح أنها لم تكن كذلك، فقد تكبد حزب الله هزيمة قاسية كانت كلفتها الهائلة بشرية وتنظيمية وسياسية واجتماعية ومادية.
ولم يضف أي شيء صدى لتلك الهزيمة المدمرة، أكثر من اغتيال نصر الله وفريقه الكامل من كبار القادة والمسؤولين، بمن فيهم عقيل وفريقه.
على مدى الأشهر الخمسة عشر الماضية، منذ النهاية الرسمية للحرب، كافحت الحركة المترامية الأطراف، التي بناها نصر الله للتعامل مع أوجه هشاشة لا حصر لها.
فقد أصبحت السياسة المحلية أكثر عدائية، والخريطة الإقليمية أكثر خصومة.
وتضاءلت الموارد المالية، التي كانت وفيرة في السابق.
واضطرت المقرات والكوادر إلى تحمّل اعتداءات إسرائيلية شبه يومية، في خرق واضح لاتفاق وقف إطلاق النار.
كما ظهرت الانقسامات الداخلية في تصرفات محرجة وتفتقر للاحترافية في كثير من الأحيان.
ولم تجد مجتمعات كاملة عبر مساحات واسعة من المدن والبلدات مجالاً للراحة، ولا حتى ما يشبه الحياة الطبيعية، وبدا ذلك في أوضح صوره في الجنوب المدمر.
هذه هي الخلفية التي قرر في ظلها حزب الله ضرب شمال إسرائيل في الساعات الأولى من 2 مارس.
فلم يكن يمتلك ردعاً عسكرياً ولا غطاءً سياسياً؛ ولا قبولاً اجتماعياً ولا موافقة رسمية.
والأكثر إثارة للقلق بالنسبة لجمهوره هو غياب الإنذار تماماً كغياب الحماية؛ فلا درع يحميهم ولا ملجأ يؤويهم.
كان توقيت الهجمات، التي كسرت عاماً ونصف العام من الصمت، ذا دلالة بالغة.
فقد جاءت عندما اغتالت إسرائيل والولايات المتحدة المرشد الأعلى لإيران، آية الله علي خامنئي، وفرضتا حرباً وجودية على الجمهورية الإسلامية.
بدت ضربات حزب الله خجولة في مداها وتأثيرها، غير أنها اتسمت بجرأة شديدة في استفزازها لرد فعل إسرائيلي مؤكد.
أضرار مادية لا تكاد تذكر في الجليل مقابل القوة النارية التي أُطلقت على جنوبنا وشمالنا وضاحيتنا الجنوبية.
كان من الممكن لطفل في التاسعة من عمره أن يتوقع هذا الرد الإسرائيلي.
كون مهاجمة حزب الله لإسرائيل دعماً لإيران جاءت في اللحظة الأكثر خطورة لكليهما، فقد يبدو محيراً، ولكنه قد يكون هو بيت القصيد، هذه هي الروح الكربلائية المتوارثة: الشهادة والتضحية في مواجهة الظلم والخطر الوجوديكانت طهران قد أعطت الضوء الأخضر.
هذه هي طبيعة العلاقة بين الحرس الثوري الإسلامي الإيراني وحزب الله، خاصة في أعقاب الحرب الأخيرة ورحيل نصر الله.
ومع ذلك، فإن مجازفة الحركة، التي قد تُعتبر لاحقاً خطأ فادحاً بميزان مصالحها، قد وضعتها تماماً في موقعها الطبيعي وملاذها الأيديولوجي المألوف.
لطالما كان مفهوماً أنه متى حانت الساعة، سيرتقي الحزب إلى مهمته وغايته النهائية.
أما كون مهاجمته للدولة العبرية دعماً لإيران جاءت في اللحظة الأكثر خطورة لكليهما، فقد يبدو محيراً للوهلة الأولى، ولكنه قد يكون هو بيت القصيد.
هذه هي الروح الكربلائية المتوارثة: الشهادة والتضحية في مواجهة الظلم والخطر الوجودي.
ولكن يجب القول إن الجمهورية الإسلامية وحزب الله جُرَّا إلى هذا القرار، الذي قد تكون عواقبه مدمّرة، على كرهٍ منهما.
لم تكن هذه حربهما، بل حرب إسرائيل وأمريكا.
والمفارقة أن القوتين المراجعتين الساعيتين إلى قلب الترتيبات القائمة في الإقليم هما إسرائيل والولايات المتحدة، تلك الترتيبات التي كانت الجمهورية والمقاومة طرفين مشاركين فيها، وإن كانا مشاكسين.
وما يتكشف في الشرق الأوسط جزء لا يتجزأ مما يحدث في جميع أنحاء النظام الدولي.
وقد عبّر إسكندر صادق بروجردي ببلاغة عن هذه الاتجاهات في مجلة London Review of Booksقائلا: لقد تشوّهت اليقينيات التي قامت عليها وصاية الولايات المتحدة المهيمنة على «النظام الدولي القائم على القواعد» إلى حد لم يعد يمكن التعرف عليه بسبب الإبادة الجماعية في غزة، لكن أي بنية بديلة لم تتبلور لتحل محلها.
وبدلاً من ذلك برزت سياسة إمبريالية عصاباتية، لا تحظى لا بقبول دولي ولا بشرعية داخلية.
هناك الآن أربعة مفسدين في هذه الحرب: قوة عظمى، وقوتان مهيمنتان، وجهة فاعلة (حزب الله)، التي تعد أكبر جهة في المنطقة مستقلة عن الدولة في لبنان.
وتتلاقى المخاطر لكل جانب، وتتباعد بالتناوب.
وكذلك تفعل تعريفات النصر والهزيمة.
أما أضعف اللاعبين فهو «حزب الله».
والمخاطر التي يواجهها تحمل الكلفة الأعلى، بما في ذلك تفكيك قوته العسكرية وتقليص وزنه السياسي في لبنان، حتى لو بقي النظام الإيراني سليماً، وهو أمر مرجّح جداً، وبذلك يوقع نوعاً من الهزيمة بالولايات المتحدة وإسرائيل.
ومع ذلك، فإن التضحية لن تكون تضحية المقاومة وحدها، الحقيقة هي أن الناس – خاصة أهلهم وجمهورهم – سيتحملون الألم، حتى لو لم يكونوا يريدون شيئاً منه.
أما نوع هذا الألم فيعتمد كلياً على المخططات الشيطانية التي قد تكون إسرائيل تدبّرها للحزب ولبنان.
ولطالما منح بطش الدولة العبرية حزب الله أكثر حججه إقناعاً.
وكذلك فعلت القدرات المتواضعة للجيش اللبناني.
تثير أيديولوجية الحزب وأساليبه الانقسام والنفور، عملت وحشية إسرائيل وطموحاتها التوسعية على توحيد الصفوف، ولوقت طويل كان هذا في الواقع أقوى ما يستند إليه «حزب الله»: ففي غياب دفاع لبناني موثوق، تكون المقاومة هي الحاجز الوحيد والرادع الوحيد في مواجهة العدو الإسرائيلي.
ولكن هذا الطرح أصبح الآن بلا معنى في نظر الكثيرين منا نحن اللبنانيين.
فقد كان بوسع حزب الله ذات يوم، التباهي بما حققه من إنجاز استثنائي في العالم العربي: ضآلة الفجوة بين الخطاب والفعل؛ بين الوعد والإنجاز.
أما في ظل هزيمة عام 2024، فلم يعد ذلك ممكناً.
لا أعرف ما الذي ينتظرنا.
أعيش في رأس بيروت، بالقرب من الوسط، قلب العاصمة.
وبينما أكتب، أُجبر مئات الآلاف من الناس على إخلاء منازلهم في الجنوب وفي الضاحية.
وفي خطوة غير مسبوقة، أصدرت إسرائيل أوامر إخلاء قسرية لجزء كبير من جنوب لبنان ولجميع الضواحي الجنوبية لبيروت.
عالمٌ آخر يفصل بيننا، لكنه لا يبعد أكثر من عشر دقائق بالسيارة في صباح أحد هادئ.
بينما أكتب، ينتشر الذعر وتتفرق العائلات ـ تُستقبل في بعض الأحياء وتضيق بها أحياءٌ أخرى.
بينما أكتب هذه السطور، أعلنت الحكومة أن الجناح العسكري لـ«حزب الله» غير قانوني.
وأصبحت المقاومة المسلحة، بمعنى الكلمة، مارقة.
وفيما أكتب هذه السطور، استهلت إسرائيل توغلاتها البرية وعمليات الإنزال المروحية، في حين لا يزال حزب الله يقاوم ويرد الضربة.
بينما أكتب، نحن ندخل عصراً جديداً لا تزال معالمه، حتى في أكثر صورها غموضاً، عصيّة على الإدراك، ومع ذلك تبدو مألوفة تماماً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك