شيء من الاستغراب يثور في خلفية مشاهد السينما، المتابع أحدث أفلام السنة المنصرمة، وجوائزها: " معركة تلو أخرى" (2025)، لبول توماس أندرسن، الفائز بست جوائز بافتا البريطانية، وأربع غولدن غلوب الأميركية، وسيزار أفضل فيلم أجنبي (فرنسا)، والحائز على 13 ترشيحاً لأوسكار هوليوود (15 مارس/آذار 2026).
فوز أندرسن، كاتب السيناريو أيضاً استناداً حرّاً على رواية" فاينلاند" (1990) لتوماس بينشون، يجعله هدفاً لإعادة نظر المشاهد المتابع (كي لا أقول الناقد)، في ما يسمّى" الإنجاز غير المسبوق"، الذي يفتقر إليه هذا الفيلم بشكل مكشوف.
إذ يبدو" إعادة" لا" استعادة" لمقتطفات متفرقة من أفلام سابقة، لا يمكن تعيينها، بل ملامستها بالذاكرة والمقارنة، خاصة مسألة المنظمات السرية، والعنصرية والثورية، وسينما الأكشن الهوليوودية تعجّ بهذا النوع من الاحتدام الدرامي.
بين هذين الصنفين من المنظمات، تبدو تلك السينما كليشيه لهيكلة الحكاية فيلمياً.
هناك منظمة عرقية للبيض، شديدة الحساسية تجاه أي اختلاط سلالي بين البيض والملونين، تعرض على العقيد الأميركي ستيفن جاي لوكجا (شون بِنْ)، من الفرق العسكرية المقاومة للهجرة، الانتماء إليها لقسوته الافترائية تجاه الملونين، فهو نقيّ العرق الأبيض، ليس له أي تقاطع سلالي مع أعراق الملونين، الممثَّلين بمنظمة ثورية تدافع عن المهاجرين.
لكن الانتماء هذا مهدَّد، للشكّ في وجود ابنة له من علاقة بامرأة ملونة، حصلت منذ سنوات، فتتحول الحكاية إلى تقصٍّ شخصي عن حقيقتها.
عندما تُثبت الحقيقة، بفحص مرتجل لحمضها النووي، يحاول التخلص منها فهي ملونة، لكنه يفشل بمحض الارتجال الحكائي، غير المتناسب مع الأجواء الإجرامية للعمل (ربما بغية إطالة الحكاية، أو اصطناع قوام لها)، مع محاولة فاشلة لإنقاذها، فيسلمها إلى قاتل مأجور ملون، لقتلها.
لكنّ هذا القاتل لا يقتل أطفالاً.
تهرب منه، وتبدأ مغامرتها الشخصية، المتمثّلة في القضاء على رجل المنظمة العرقية، بمساعدة الواقع الجغرافي لطريق سفر، يتميّز بمنحدرات متكرّرة.
تستغل الابنة هذه المصادفة الجغرافية، وهي في ذروة فزعها، لتقضي على من يلحق بها.
ثم تلتقي والدها (ليوناردو دي كابريو)، المزوّد بجهاز توأم لديها، يخبر عن المسافة التي تفصل أحدهما عن الآخر، بما يسمح بمتابعتها في نطاق مداه.
هذه أيضاً أعجوبة تقنية أخرى من الحلول الحكائية، التي تحيل إلى الشكّ بحضور الذكاء الاصطناعي، لتغطية الفراغات التساؤلية عند المشاهد.
لا لزوم لسرد الحكاية بالتفصيل، فالمواقع الإلكترونية تعجّ بها.
الأهم مراقبة التراتب والتناسق الدرامي بين الفصول والمَشاهد، إذْ تُلمس عثرة واضحة بين المحاور، كأنها جزر منعزلة تتواصل في ما بينها بجسور متحركة، تظهر وتختفي عند الحاجة القصصية.
تبدو هذه الجسور مجرد معلومات تشرح للمُشاهد سبب ما يلي من أحداث ومغامرات، تبدو محشورة حشراً لتبرير الانتقال الدرامي من/إلى، كمشهد لقاء لوكجا مع بات" غاتّو" كالهون/بوب فيرغِسون (دي كابريو) في السوبرماركت، فيخبره أنه يعشق النساء الملونات من دون أي سبب لذلك.
يقول هذا ويمشي، لإعلام المُشاهد بلقاء مرتقب بين برفيديا (تِيانا تايلور)، حبيبة بات، ولوكجا الذي" سينتج" الطفلة/الشابة الخلاسية شارلين كالهون/ويلا فيرغسون (تشايس أنفينيتي).
مشهد إخباري يتكرر كثيراً في السرد، فمؤسِّسات الحكاية الدرامية باتت معروفة، ووجود شروط حكائية لاستمرار احتدام الدراما معروفة أيضاً، لا تغيب عن ذهن أي كاتب.
لكن، في المقابل، يجب إخضاع هذه الشروط لمنطق الواقع، لا صُنع مشهد إخباري، يُلقَّم للمشاهد، ليتحقّق التصميم المعرفي للدراما، فيبدو الفارق بين رسام هندسي يرسم لوحته بدقة، ورسام فنان مبدع يقدّم لوحة فنية.
لذا، يمكن النظر إلى هذا الشريط كـ" شريط مسبق الصنع ومفتعل"، يمكن مشاهدته من دون تفرّغ كامل الحواس لتلقّيه، رغم الإعلانات المبهرة عن ممثليه، الذين يشكلون ضمانة معنوية للمتلقّي، مع أنها ربما تؤدّي إلى خيبة أكبر.
بالنظر إلى أداء هؤلاء النجوم المحترفين الكبار، تُلاحظ هذه الكمية الكبيرة من الإجادة في تصميم الدور وتأديته.
لعلّ" بافتا" لم تُخطئ بمنح شون بِن جائزة أفضل ممثل مساعد، إذْ صمّم شخصية استثنائية ونفّذها، من موجوداتها النفسية والتربوية والجسدية.
دي كابريو قدّم شخصية المدمن بخبرة كثيرة وإبداع قليل، بينما طار بينيتشيو دل تورو (سانسي سيرجيو ستريت كارلوس)، مُدرّب الكاراتيه ومساعد المهاجرين، مُهوّماً في أداء طقوسي متأثّر بشرقي آسيا.
هذا كلّه مقبول بتقديم مهارات الأداء التمثيلي.
لكن المهم اتساق الشخصيات، بمعنى الاشتراك بالفعل الدرامي، إذْ بدا هذا الأداء كأنه في جزر منعزلة عن تأثيرات الشخصيات الأخرى، كأنها غير موجودة بمواصفاتها المسبِّبة للدراما، أو بمواصفاتها الشخصية ذات الطبيعة الإجرامية أو الخيرية أو اللامبالية.
بهذا، طغى الإخلاص للـ" كاراكتر" على الإخلاص للسرد الدرامي.
يظهر هذا جلياً في اختفاء البطلة بيرفيديا من الربع الأول للفيلم، من دون أي تأثير للغياب، إذْ لجأ الكاتب/المخرج إلى قفزة زمنية، تقاس بالنمو العمري لشارلين، في إغفال تام للسؤال عن الأم.
كأن ممثلة دور برفيديا (تايلور) معزولة بجزيرتها الأدائية والحكائية، إلى درجة أن الفيلم لم يأبه بمصيرها، إلّا عبر رسالة إخبارية تُسدّد معلومة عند المُشاهد.
هذه الجزر الأدائية أعطت للممثلين رحابة إبداعية شخصية، لكنها قصّرت عن إدماج الـ" كراكترات" بالحكاية، وهذا يضيء على كثرة الشخصيات الثانوية المؤثرة، لكن القابلة للنسيان فور أدائها دورها، لأنها من جزر متناثرة أيضاً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك