من الأحكام القانونية الثابتة نجد “العقد شريعة المتعاقدين”، وهذه القاعدة القانونية تشير إلى أن العقد يولد ويستمر وفق اتفاق وإرادة وشريعة المتعاقدين المتمتعين بالأهلية القانون اللازمة.
وهذا، ضمن أشياء أخرى، يحدث عندما تتلاقي وتتحد نية الأطراف لإقامة العلاقة التعاقدية القانونية الشرعية.
وعندما يحدث هذا تتبدل وتتغير النية وتصبح علاقة عقدية قانونية يحميها القانون من كل تغول حتى ولو من أحد أطراف العقد.
وذلك لأن القانون يتدخل ويمنح إرادة الأطراف الصبغة والحماية القانونية حتي نفاذ العقد.
وهنا يبرز دور القانون في مسيرة الحياة.
وإرادة الأطراف التي تشكل قاعدة “العقد شريعة المتعاقدين”، يجب أن تكون نابعة من النية الأكيدة الحرة والصادقة للأطراف، وبدون أي تأثير على هذه النية الحرة الخالصة.
وعليه إذا كان هناك، مثلًا، تدليس أو غش أو خداع أو إكراه أو ضغط أو تأثير أو خلافه فان العقد يصبح غير سليم وغير نافذ.
كما أوضحنا، فالعقد الصحيح يصبح بعد ابرامه، وبقوة القانون، نافذا بالتمام و”اوفوا بالعهد ان العهد كان مسؤولا”.
وعليه، فإن عدم تنفيذ بنود العقد يعرض الطرف المعني للمسائلة القانونية وبما يجبر الضرر الذي حدث للطرف المتضرر.
ومع تطور الزمن والعلاقات التعاقدية نظير تطور الأعمال وازدهار التجارة، تطور القانون أيضا لمجاراة ما يحدث.
ونلاحظ هذا بصفة خاصة، في القانون العام الانجليزي الذي وضع الأحكام القانونية للعقود وأصبح يطورها وفق المستجدات.
ومن التطورات الهامة التي حدثت، نجد أن القانون “كسر” قاعدة ضرورة الالتزام الكامل بتنفيذ بنود العقد.
ونجد هذا بوضوح، عندما سمح القانون لأحد الأطراف بعدم تنفيذ بنود العقد اذا كان التنفيذ مستحيلًا ولأسباب مستجدة خارج يد وارادة الطرف المعني.
وهنا تم استحداث قاعدة قانونية هامة وهي قاعدة الـ “فورس ماجير” أي قاعدة “القوة القاهرة”، لأنها وبكل بساطة “تقهر” التنفيذ وتجعل التنفيذ في وضع مستحيل.
وبالطبع، هناك فرق كبير بين “استحالة” التنفيذ أو “صعوبة” التنفيذ والتي لا تعتبر حالة قوة قاهرة.
ونشير هنا، للفرق بين قاعدة الـ “فورس ماجير” وقاعدة الـ “فرستريشن” عندما يكون التنفيذ صعبًا لأي سبب، وهذا لا يمنح الطرف الحق في الأخطار بوقف التنفيذ.
و “القوة القاهرة” تظهر عند حدوث عدة حالات، مثلًا، ما نحن فيه الآن في الخليج من حرب لا ناقة لنا فيها ولا بعير ولكن وجدنا أنفسنا في دوامة الصواريخ والمسيرات والضرب والقتل والدمار.
والحرب من الحالات الواضحة التي يعتبرها القانون وينص على أنها “قوة قاهرة” لأنها تؤدي الى الهلاك والموت.
وكذلك سبق أن تعرض العالم قبل فترة وجيزة لقوة قاهرة بسبب جائحة الكورونا “كوفيد -19”، التي أدخلت العالم في دائرة الأمراض وأوقف العمل والاحتكاك.
وهناك حالات أخري، تعتبر “قوة قاهرة” مثل الفيضانات والتوسنامي والإضرابات الجماعية والشغب وعدم الاستقرار، وغير هذا من الكوارث الطبيعية التي لا يقدر الانسان على مجابهتها لأنها خارجة عن ارادته وعن يده وعن مقدرات البشر.
وعليه، وبسبب “القوة القاهرة” تدخل القانون ومنح الطرف الذي تعرض لهذه القوة أن يخطر الطرف الآخر باستحالة تنفيذه لالتزاماته مع تحديد المدة التي لا يستطيع فيها التنفيذ.
بسبب الحرب الدائرة الآن والتي تضررت منها دول الخليج ومنشآتها ومصانعها، قامت بعض الشركات باللجوء لشرط “القوة القاهرة” وأخطرت الأطراف المتعاقدة معهم بعدم تنفيذ التزاماتها بسبب “الحرب” التي تعتبر من أهم الحالات في تعريف القوة القاهرة بسبب استحالة التنفيذ.
وفي رأينا، أن هذا الإجراء الذي قامت به هذه الشركات بسبب الحرب الدائرة الآن، بعتبر إجراء قانوني صحيح وسليم ويمنح الحماية القانونية الكافية لهذه الشركات لأنها تمتنع عن تنفيذ التزاماتها التعاقدية بسبب حدوث الحرب أي “القوة القاهرة” الخارجة عن إرادتها التي كانت متوفرة لديها عند إبرام العقد.
ومن الضروري أن نشير إلى أن القوانين المعنية، في كل دول الخليج والعقود المبرمة تتضمن أحكامًا ومواد قانونية واضحة، تعطي الطرف الذي تعرض للقوة القاهرة، المذكورة في القانون أو العقد المبرم، الحق في إخطار الطرف الآخر بعدم تنفيذ التزاماته التعاقدية بسبب الحرب وهي من حالات القوة القاهرة المتفق عليها تماما في كل القوانين في دول العالم، وكذلك العقود المبرمة والتي تشير في صدر مادة “القوة القاهرة” للحرب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك