ثمَّة صِلاتٌ واضحةٌ بين شُعُوب وقبائل شبه الجزيرة العربية، وشعوب شمال وشرق أفريقيا، لاسيما تلك الصلات التي ارتبطت بها مع أرض مصر من ناحية، وما يُطلق عليها بلاد حوض النيل الأوسط، وحوض النيل الأعلى، وذلك منذ أقدم العصور؛ إذ كانت وشائجُ العلاقات تبدو متواصلة، ولم تنقطع تلك الصلات منذ ما قبل ظُهور الإسلام في بلاد جزيرة العرب.
يمكن القول بأن هجرات القبائل والبُطُون العربية إلى مناطق شرق إفريقيا، أو أقاليم الساحل الغربي للبحر الأحمر إلى عصور موغلة في القدم، وربما تصل- في رأي الكثيرين من أهل التاريخ- إلى حوالي الحقبة فيما بين القرنين التاسع والعاشر قبل الميلاد.
تُعد هجراتُ القبائلُ العربية القادمة خاصة تلك القبائل التي جاءت من المناطق الجنوبية لشبه الجزيرة العربية، وتحديدا من أرض اليمن؛ من أقدم الهجرات العربية إلى ساحل شرق إفريقيا، كما أنها تركت تأثيرات سياسية، واقتصادية، وثقافية، إضافة إلى العديد من التأثيرات الحضارية الأخرى.
ولعل من أبرز تلك الهجرات تلك التي قامت بها جماعات وبطون من قبيلة حبشت العربية إلى بلاد الحبشة، أو أراضي إثيوبيا الحالية.
ولعله من المؤكد أن الهجرة إلى بلاد الحبشة كانت أمرًا ميسورًا للقبائل العربية منذ ما قبل ظهور الدعوة الإسلامية، بفضل تقارب سواحل بلاد اليمن وسواحل إفريقيا، لا سيما عند بوغاز (مضيق) باب المندب، وهو الذي يشكل ما يمكن أن يكون النقطة الأقرب بين كل من الساحلين الشرقي والغربي للبحر الأحمر، وفيما لا يزيد على قرابة 29 كيلومترًا.
هِجراتُ قبيلة حِبشِتْ إلى شرق أفريقياترجع تسميةُ بلاد الحبشة Abyssinia فيما يتفق أكثر المصادر التاريخية نسبة إلى إحدى القبائل العربية التي كانت قد هاجرت من بلاد اليمن خلال عدة قرون منذ ما قبل الميلاد، أي قبل ظهور الدعوة الإسلامية في أرض الحجاز منذ بدايات القرن السابع الميلادي بعدة قرون.
ولقد كان اسم تلك القبيلة العربية: حبشت، وهي كما نعلم من بين القبائل العربية اليمنية القديمة المعروفة.
كانت قبيلةُ حبشت من أهم القبائل العربية التي هاجرت من شبه جزيرة العرب إلى بلاد الحبشة.
ولقد ورد ذكر تلك القبيلة العربية القديمة في عدد من النقوش اليمنية القديمة، إذ ورد لفظ" حبش" في بعض النقوش اليمنية بهذه الصيغ: " حبشت"، وكذلك" ملك حبشتن"، وكذا ورد الاسم: " مصور أحبشن"، وكان يُقصد بها: القواد من بلاد الحبشة.
إلخ، وغير ذلك من الأشكال اللغوية.
لاشك أنه مما يُؤيد أصالة انتشار العُرُوبة والثقافة العربية في بلاد الحبشة وذلك منذ أقدم العصور التاريخية؛ ولعل من أوضح ما ورد في هذا السياق، فإن الموسوعة البريطانية Encyclopedia Britanica تذكر أن السكان في بلاد الحبشة كانوا في الأصل من بين المهاجرين العرب القادمين إلى تلك البلاد من شبه الجزيرة العربية، ولعل في ذلك إشارة واضحة إلى قبيلة" حبشت" العربية، وهي التي يرجع لها الفضل في عروبة بلاد الحبشة، ونشر مظاهر الثقافة العربية بها، منذ قرون بعيدة قبل ميلاد المسيح.
استقرارُ عرب حبشت في أرض الحبشة القديمةتذهب بعضُ الفرضيات والآراء من جانب عدد من المتخصصين إلى أن قبيلة" حبشت" العربية، وفروعها القبلية الصغرى، كانت تسكن عند مناطق الساحل، ويُعتقد- فيما يرى البعضُ- أن أفراد هذه القبيلة اتخذوا في هجرتهم ذلك الطريق البحري الذي كان يصل بين كل من" خليج مصوع" و" هضاب بلاد الحبشة"، ثم إنهم اتجهوا صوب مناطق الجنوب بعد ذلك، ثم مروا بأراضي مملكة أكسوم، ونكازه، ثم استقرت جماعات قبيلة" حبشت" بعدئذ في الأقاليم الشمالية من أراضي بلاد الحبشة.
من ناحية أُخرى، فإن مادة" حبش" (حـ– ب– ش) بحسب المعاجم اللغوية العربية، تشير إلى ثمة معنى يفيد الجمع، والتحالف، ومن الواضح أن هذه المادة ظهرت العديد من الألفاظ العربية الذائعة بين المُتكلمين بلغة الضاد، مثل كلمة: " حباشة"، وهو سوقٌ من أسواق العرب القديمة" أيام الجاهلية"، ومن أسماء الأعلام العربية: " حبشي"، و" حبيش"، وكذلك" الأحابيش"، وهم قوم ينتسبون في الغالب إلى قبيلة قريش العربية المشهورة.
ثمة رأيٌ آخر، وهو فرضية تبدو على قدر من الأهمية بلا ريب، إذ يذهب بعض العلماء إلى أن هؤلاء" الأحابيش" كانوا من طائفة الرقيق (أو العبيد) الذين كانوا يسكنون أرض مكة المكرمة الذين تحالفوا، وعلى هذا أطلقت عليهم تلك التسمية.
أما عن لفظ الحبش أو" حبش"، ودلالته، يقول أبوبكر الرازي في" مختار الصحاح": " حبش: الحبش والحبشة (بفتحتين فيهما)، جنسٌ من السودان، والجمع حبشان.
".
ومن بين التفسيرات الأخرى فيما يخص لفظ" الحبش": حيث قيل هم الجماعة أيا كان (أي أحباش أو غير أحباش)، لأنهم إذا تجمعوا، اسودوا.
بينما يذكر اللُغوي ابنُ منظور المصري في كتابه المعروف، والموسوم" لسان العرب": أن بعض الأحياء بأرض مكة كانوا قد سموا" الأحابيش"، ولقد قيل إنها لما سُميت هذه البلاد بذلك الاسم من قبل تجمعها، صار" التحبيش" في سياق كلام العرب يُقصد به" التجميع".
لما سكن أفراد قبيلة حبشت العربية، وبطونها في مناطق شمال بلاد الحبشة على أي حال، نُسب تلك المناطق الشمالية لهم، ومن ثم سُميت بهم، ومن ثم أطلق العربُ اسم" الحبشة" على كافة أراضي هذه البلاد، ومنها أخذ المؤرخون الرومان والمصادر اللاتينية بعد ذلك تلك التسمية العربية الأصل، ثم أطلقوا على تلك البلاد تسمية: Land of Abyssinia، أي أرض الحبشة.
يبدو من اللافت أن عددًا ليس بالقليل من المؤرخين الأفارقة ينسبون تأسيس مملكة أكسوم الحبشية إلى إحدى القبائل العربية، ولعلها هي ذاتها قبيلة" حبشت".
وعن ذلك الأمر يذكر المؤرخ الأفريقي ساهيد أديجوموبي في كتاب" تاريخ إثيوبيا" أنه في خلال القرن الثاني الميلادي قام أحد الشعوب السامية التي كانت قد هاجرت من شبه الجزيرة العربية، وهو ما يعني تأكيد أنهم شعب من أصول عربية، بتأسيس" مملكة أكسوم" في بلاد الحبشة.
ويعتقد بعض المؤرخين أن ذلك يشير إلى الدور الكبير الذي قامت به القبائل والبطون العربية في بلاد الحبشة منذ أقدم العصور التاريخية، ولعل ذلك يفسر بشكل أو بآخر المحاولات التي كان يقوم بها ملوك" الأسرة السليمانية" بعد ذلك للتأكيد- بشكل يبدو مبالغ فيه- والتأكيد على أن نسل حكام الحبشة القدامى يرجع إلى ملوك مملكة إسرائيل القديمة، حيث يزعمون أن هؤلاء الأحباش القدامى كانوا من نسل الملك منليك بن سليمان ملك إسرائيل، وهو الذي حكم خلال الفترة التي تمتد فيما بين سنة 970ق.
م وحتى سنة 930 ق.
م.
لاريب أن الغاية القصوى من ذلك الزعم تهدف إلى إبعاد أي علاقة تربط بلاد الحبشة بالقبائل العربية، ومن ثم محو الوجود العربي، أو بمعنى آخر الثقافة العربية الأصيلة التي كانت منتشرة في هذه البلاد (أي بلاد الحبشة)، وذلك بسبب تعصبهم الديني الشديد.
يُمكن الإشارةُ إلى أنه مما يؤكد انتشار العروبة منذ أقدم العصور في بلاد الحبشة، من خلال ما ورد عن قصة ملكة سبأ الواردة في العديد من روايات الكتب المقدسة، فهي ملكة سبأ كما توصف في كل من القرآن الكريم والأسفار التوراتية، وسبأ إقليم عربي مشهور، أي أن تلك المملكة كانت ملكة عربية الأصل.
إلا أن ملوك الأسرة السليمانية التي تأسست في النصف الثاني من القرن 7هـ/13م، ومن جاء بعدهم من الملوك حتى حقبة العصر الحديث، زيفوا فيما يبدو التاريخ، ثم إنهم ادعوا أنها كانت ملكة حبشية وليست عربية، ودعوها باسم ماكيدا، أو ماقدة.
ومما لاشك فيه أن هذا أمرٌ غير صحيح بالطبع، حيث إن روايات الكُتب المُقدسة تصفها بأنها كانت ملكةٌ عربيةٌ، وأنها كانت تنتسب إلى بلاد سبأ، وهي تلك المملكة العربية التي تأسست في أرض اليمن، ولقد كان ذلك قبل قيام أقدم الممالك الحبشية على الإطلاق، وهي التي تُعرف بـ" مملكة أكسوم".
الأستاذ الدكتور إسماعيل حامدعضو اتحاد المؤرخين العرب والجمعية المصرية للدراسات التاريخيةأستاذ زائر بكليات التاريخ بالجامعات الدولية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك