تشهد إسرائيل جدلاً، بين الأطباء والمختصين، حول دواء منشّط يحمل اسم" مودافينيل" يتناوله طيارو سلاح الجو للحفاظ على اليقظة، خاصة قبل الطلعات الجوية لقصف أهداف في إيران.
وتناولت تقارير عبرية عدة الموضوع في الأيام الأخيرة، فيما تتكشف تفاصيل جديدة اليوم الجمعة أيضاً.
في وقت سابق من هذا الأسبوع، أفادت صحيفة غلوبس، نقلاً عن مصادرها، أن استخدام الدواء في صفوف جيش الاحتلال لا يقتصر على الطيارين، بل يُستخدم أيضاً من قبل جنود آخرين.
وقالت إنه تبيّن أن" استخدام الدواء سيكون أكثر أماناً لهم من عدم استخدامه، وذلك بعد اتخاذ كل الإجراءات الممكنة للحفاظ على اليقظة، مثل النوم الكافي، والتغذية الجيدة، والتدريبات المخصّصة للمهمة".
كما لفتت إلى أن استخدام الدواء يظل طوعياً، وأن المادة الإضافية الوحيدة المستخدمة اليوم في الجيش لهذه الأغراض هي الكافيين.
كما جرى فحص مواد منبّهة أخرى وُجد أنها أكثر فاعلية، وهناك قسم كامل في مديرية البحث والتطوير العسكري مخصّص لفحص وسائل تحسين الأداء البدني والإدراكي للجنود، لكنها لم تكن آمنة بما يكفي للاستخدام.
بدورها أفادت صحيفة يديعوت أحرونوت، اليوم الجمعة، بأن الطلعات الجوية البعيدة والمتواصلة إلى إيران لا تعتمد فقط على القدرات الطبيعية للطيارين الإسرائيليين، إذ يزودهم سلاح الجو بمواد منبّهة تساعدهم على الحفاظ على اليقظة وتحسين الأداء.
وكشف مسؤول رفيع في الجيش عن منظومة علمية كاملة تتيح ذلك، وتشمل أيضاً حساسات بيومترية تُصدر إنذاراً عندما يبدأ الجسم بالاستسلام للتعب.
كما تبيّن أن قوات البرّ تتبنّى هذه المنظومة أيضاً.
وتطرق المسؤول إلى ما يجري خلف الكواليس في الحرب العلمية والتكنولوجية ضد التعب، معتبراً أن السلاح الذي اعتمد سابقاً على قدرة تحمّل مقاتليه، يستخدم اليوم خوارزميات، ومراقبة بيولوجية متقدّمة، وبروتوكولات طبية كانت مصنّفة حتى الآن بسرية عالية.
ولفت إلى أنه على مدى عقود، كانت مسألة النوم شرطاً أساسياً لأمان الطيران أثناء التدريبات، وهناك أوامر واضحة في سلاح الجو تحدد عدد ساعات النوم المطلوبة من الطيارين قبل كل نوع من النشاط، مضيفاً" نحن نحاول معرفة كيف يمكن مساعدتهم بأفضل طريقة ليحصلوا على النوم الأكثر فاعلية ضمن فترات زمنية محددة، والتأكد أن من يصعد للطيران يفعل ذلك في أفضل حالة ممكنة، وفق القيود العملياتية.
هذا يشغلنا على كل المستويات، ونحن نعمل عليه باستمرار".
لا يقتصر التحدي الذي يواجهه الطيارون في المهام الطويلة على خطر النوم المفاجئ في الجو، بل يشمل أيضاً انهياراً تدريجياً في أنظمة المعالجة الإدراكية، تلك المسؤولة عن التفكير، والتعلّم، والانتباه والذاكرة، والتعب الشديد قد يؤدي إلى تدهور في الأداء، من قبيل ضعف الحكم واتخاذ القرار، وصولاً إلى تراجع الذاكرة والتركيز وزمن الاستجابة.
وكشف باحثون من جامعة حيفا والمركز للطبّ الجوي التابع للجيش الإسرائيلي، في بحث نُشر في يونيو/ حزيران 2025، أن قدرات الانتباه والتنظيم الإدراكي لدى طياري المقاتلات تهبط بنسبة 70% بعد 24 ساعة من دون نوم.
ولسدّ الفجوة بين الأداء العملياتي المطلوب وبين القيود الفسيولوجية، يعتمد سلاح الجو على طبقتين من الحماية الدوائية: الكافيين، كمكمّل غذائي يُباع من دون وصفة طبية، وبروفيجيل (مودافينيل).
ويشددون في الجيش الإسرائيلي، على أن ذلك ليس مخصّصاً لتحويل الطيار إلى" سوبرمان"، بل لمنع الأخطاء الناتجة عن التعب الشديد.
ويشرح المسؤول العسكري أن اختيار هاتين المادتين جاء أساساً بسبب مستوى الأمان العالي لديهما، وفق ادّعائه.
ويكشف المسؤول أن المودافينيل مستخدم في الجيش الإسرائيلي بشكل واسع منذ سنوات طويلة، ليس فقط في سلاح الجو، بل أيضاً في العديد من الوحدات القتالية الأخرى: " الدواء يُوزّع على عدد كبير جداً من الوحدات"، ولكن لا يُعطى للجميع كل يوم، لكونه يعيق النوم، كما أنه لا يمكن استخدام المودافينيل لفترات طويلة.
ليست الحبوب سوى جزء لعملية معقدة تُسمّى" الغطاء الفسيولوجي"، وهدفها إعداد الطيارين للمهمة.
قبل 72 ساعة من تشغيل المحركات يدخل الطيارون الإسرائيليون، وفقاً للمسؤول العسكري، في نظام صارم يفرض تراكم تسع إلى عشر ساعات من النوم يومياً، في مناطق راحة مظلمة ومعزولة عن الضوضاء.
وقبل الإقلاع بساعات قليلة يأخذون غفوة لفترة قصيرة تتراوح بين 20 و40 دقيقة فقط، هدفها إنعاش الجهاز العصبي من دون الدخول في مراحل النوم العميق.
حتى التغذية يُخطط لها مسبقاً.
ويشرح المسؤول: " عندما نتلقّى أمر العملية ندرس كم من الوقت سيبقون مستيقظين، ومتى سينامون ويستيقظون، وما نوع العبء المتوقع عليهم، وبناءً على ذلك نضع الغطاء الفسيولوجي".
وأضاف: " أحياناً نوصي بالنوم في فترات زمنية معينة.
إذا كانت هناك نشاطات ليلية شديدة الأهمية، نوصي بنوم نهاري مضبوط.
وعندما لا ننجح في تحقيق هوامش الأمان المطلوبة عبر التوصيات العادية وحدها، نضيف عامل أمان يتمثل في مواد الحفاظ على اليقظة".
مع انتهاء الطلعات يُرسل الطيارون للراحة والنوم، وذلك بموجب أمر عسكري.
" بعد عدة ليالٍ من قلة النوم نحاول خلق نوم تعافٍ، طبعاً وفق القيود العسكرية"، يقول المسؤول العسكري مستدركاً إن" هناك الكثير من التفكير في كل المستويات حول كيفية إدارة هذا الأمر والحفاظ على القدرة على الاستمرار".
ولفت إلى أن الاستجابة التكنولوجية لسلاح الجو في مواجهة تهديد التعب تعتمد على شبكة أمان تحيط بالطيار من لحظة الاستعداد وحتى الهبوط.
وفي قلب هذه المنظومة تقف حساسات بيومترية تراقب باستمرار مؤشرات فسيولوجية مثل نبض القلب ومعدل التنفس، وتُصدر إنذاراً عندما يبدأ الجسم بالاستسلام للتعب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك