أثبت موسم الدراما فى رمضان 2026 أنه ليس مجرد سباق تقليدى بين المسلسلات، بل تحول إلى لحظة فنية فارقة أعادت التأكيد على واحدة من أهم خصائص الدراما المصرية، وهى قدرتها الدائمة على إعادة اكتشاف نجومها، ففى كل موسم ناجح، تبرز أسماء تقدم نفسها من جديد، لا لأن الجمهور لم يكن يعرفها، بل لأن الأدوار الجيدة تكشف طاقات لم تتح لها الفرصة من قبل.
خلال هذا الموسم الذى قدمته الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية بنجاح، برزت ظاهرة لافتة تمثلت فى استعادة بعض الفنانين لمساحات تمثيلية عميقة لم يكن الجمهور قد شاهدها بهذا الوضوح من قبل، وكان من أبرز هؤلاء الفنان أحمد عيد فى مسلسل «أولاد الراعى»، والفنان طارق الدسوقى والفنان الشحات مبروك فى مسلسل «على كلاى»، ثلاثة أسماء تنتمى إلى خلفيات مختلفة، لكنهم التقوا عند نقطة واحدة وهى مفاجأة الجمهور بقدرات تمثيلية بدت وكأنها تُكتشف لأول مرة.
على مدار سنوات طويلة، ارتبط اسم أحمد عيد فى ذهن الجمهور بالأداء الكوميدى، الذى صنع له مكانة خاصة فى السينما، كان يمثل نموذج «الكوميديان الشعبى» القادر على التقاط تفاصيل الحياة اليومية وتحويلها إلى ضحكة قريبة من الناس، لكن الدراما هذا العام قررت أن تختبر وجهاً آخر لهذا الفنان.
فى مسلسل «أولاد الراعى»، خرج أحمد عيد من منطقة الأمان الكوميدية إلى مساحة درامية شديدة التعقيد، فالشخصية التى يقدمها ليست مجرد دور عابر فى سياق الأحداث، بل محور أساسى فى شبكة من العلاقات الإنسانية المتشابكة والصراعات التى تتصاعد مع تطور الحكاية.
ما قدمه «عيد» فى هذا العمل لم يكن مجرد أداء جيد، بل كان تحولاً فنياً حقيقياً، فقد اعتمد على أسلوب تمثيلى يقوم على الاقتصاد فى التعبير والانفعال الداخلى العميق، مبتعداً عن الأداء الصاخب أو المباشر، كانت نظرة العين، وتغير نبرة الصوت، والصمت فى لحظات معينة، أدوات درامية أساسية فى بناء الشخصية.
وفى عدد من المشاهد المفصلية بدا واضحاً أن أحمد عيد يمتلك قدرة كبيرة على نقل التوتر الداخلى للشخصية دون مبالغة أو افتعال، هذا النوع من الأداء هو ما يمنح الشخصية مصداقيتها ويجعلها قادرة على الوصول إلى الجمهور.
الأهم من ذلك أن هذا الدور كسر الصورة النمطية التى ارتبطت به لسنوات، فقد أثبت أن الممثل الحقيقى لا يُختزل فى لون واحد من الأداء، وأن الكوميديا قد تكون فى كثير من الأحيان بوابة لطاقات درامية أعمق.
ولعل النجاح الذى حققه أحمد عيد فى هذا الدور يفتح الباب أمام مرحلة جديدة فى مسيرته الفنية، مرحلة لا يقف فيها عند حدود الكوميديا، بل يتحرك بحرية بين الأنماط الدرامية المختلفة.
طارق الدسوقى.
عودة مؤثرةأما الفنان طارق الدسوقى فقد قدم واحدة من أكثر المفاجآت احتراماً فى موسم رمضان هذا العام، من خلال مشاركة قوية بمسلسل «على كلاى»، فالفنان الذى ارتبط اسمه بالدراما التليفزيونية فى التسعينات وبداية الألفية، عاد بعد سنوات من الغياب ليؤكد أن الخبرة الفنية لا تفقد قيمتها بمرور الزمن.
فى مسلسل «على كلاى»، يقدم الدسوقى شخصية محورية داخل عالم ملىء بالصراعات المرتبطة برياضة الملاكمة، حيث تتشابك الطموحات الفردية مع صراعات النفوذ والمصالح، وفى هذا الإطار لعبت شخصية الدسوقى دوراً مهماً فى تحريك الأحداث وإضفاء بُعد درامى على الحكاية.
ما يميز أداء طارق الدسوقى هو تلك القدرة القديمة المتجددة على السيطرة على المشهد دون ضجيج، فهو من نوعية الممثلين الذين لا يعتمدون على المبالغة فى الأداء، بل على الحضور القوى والثقة فى أدواتهم التمثيلية.
فى كثير من المشاهد، كان يكفى ظهوره القصير ليترك أثراً واضحاً فى سياق الأحداث، فالشخصية التى يقدمها ليست مجرد شخصية تقليدية للنفوذ أو السلطة، بل شخصية تحمل طبقات متعددة من المشاعر والدوافع.
هذا النوع من الأدوار يحتاج إلى ممثل يمتلك خبرة طويلة فى فهم طبيعة الدراما وإيقاعها.
وهو ما بدا واضحاً فى أداء الدسوقى، الذى قدم نموذجاً لما يمكن أن نسميه «التمثيل الناضج»، حيث تتحول الخبرة إلى عنصر أساسى فى بناء الشخصية.
عودة طارق الدسوقى بهذا الشكل لم تكن مجرد مشاركة فنية، بل كانت تذكيراً بأن الدراما المصرية ما زالت تمتلك جيلاً من الفنانين الذين يمكنهم أن يضيفوا الكثير عندما تتوافر لهم الأدوار المناسبة.
إذا كان أحمد عيد قد فاجأ الجمهور بالتحول الدرامى، وطارق الدسوقى قد فاجأه بالعودة القوية، فإن الفنان الشحات مبروك قدم مفاجأة من نوع آخر تماماً.
فالرجل الذى عرفه الجمهور لسنوات طويلة كبطل عالمى فى كمال الأجسام، دخل عالم الدراما من باب مختلف فى مسلسل «على كلاى»، وبحكم طبيعة العمل المرتبطة بعالم الرياضة والملاكمة، بدا وجوده فى البداية اختياراً منطقياً من حيث الشكل والخلفية الرياضية، لكن المفاجأة الحقيقية لم تكن فى حضوره الجسدى أو ملاءمته لطبيعة الدور، بل فى الأداء التمثيلى نفسه.
فقد قدم الشحات مبروك شخصية تحمل مزيجاً من القوة والإنسانية، وهو توازن صعب فى كثير من الأحيان، فالشخصيات القوية جسدياً قد تقع فى فخ الأداء النمطى، لكن مبروك نجح فى تجاوز هذا الفخ من خلال أداء هادئ وطبيعى.
اعتمد بشكل واضح على لغة الجسد والتعبير الصادق، وهو ما منح الشخصية حضوراً واقعياً.
وفى بعض المشاهد، بدا واضحاً أنه يمتلك إحساساً درامياً جيداً يساعده على التعامل مع المواقف الإنسانية داخل العمل.
هذا الأداء يؤكد أن التمثيل ليس حكراً على أبناء الوسط الفنى فقط، بل يمكن أن يأتى أحياناً من تجارب حياتية مختلفة تمنح الفنان منظوراً خاصاً للشخصية.
اللافت فى هذه النماذج الثلاثة ليس فقط نجاحهم الفردى، بل ما تعكسه من توجه أوسع داخل صناعة الدراما المصرية.
فاختيار ممثلين فى أدوار غير متوقعة أصبح أحد أهم عناصر التجديد فى الأعمال الدرامية.
فالمشاهد اليوم يبحث عن المفاجأة بقدر ما يبحث عن الجودة.
والمفاجأة لا تأتى دائماً من الحكاية فقط، بل قد تأتى من رؤية جديدة لممثل اعتاد الجمهور رؤيته بطريقة معينة، وهذا ما حدث بالفعل فى موسم رمضان 2026، حيث أظهرت بعض الأعمال جرأة واضحة فى كسر القوالب التقليدية وتقديم الفنانين فى مساحات مختلفة عن أدوارهم المعتادة.
إذاً.
يمكن القول إن نجاح موسم الدراما الرمضانية هذا العام لم يكن فقط فى نسب المشاهدة أو حجم الإنتاج، بل فى قدرته على خلق لحظات فنية حقيقية.
فحين ينجح أحمد عيد فى اكتشاف جانب درامى جديد من موهبته، ويعود فنان مثل طارق الدسوقى ليقدم أداءً ناضجاً يعيد تذكير الجمهور بقيمته الفنية، ويقدم الشحات مبروك مفاجأة تمثيلية غير متوقعة، فإننا أمام موسم درامى لا يكتفى بالترفيه، بل يضيف شيئاً حقيقياً إلى المشهد الفنى.
هكذا يثبت موسم رمضان 2026 مرة أخرى أن الدراما المصرية ما زالت قادرة على التجدد، وأن النجومية الحقيقية لا تُصنع فقط من كثرة الظهور، بل من تلك اللحظة النادرة التى يفاجئ فيها الفنان جمهوره ويكشف عن وجه جديد لموهبته.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك