تتصدر الأحداث التي دارت في سوريا زمن الأسدين، العديد من الأعمال الدرامية في رمضان، وخاصة ما يتعلق منها بسجن صيدنايا أحد أفظع وأعنف السجون السورية، والذي كان يشكل لغزا كبيرا لدى الكثيرين، لدرجة بات يطلق على الخارج منه بالمولود والداخل إليه بالمفقود.
تأتي في مقدمة تلك الأعمال مسلسل (الخروج إلى البئر) للكاتب سامر رضوان، إلى جانب مسلسل (القيصر.
لا مكان لا زمان) المرتبط بقضية الضابط الذي سرب صور ضحايا سجون نظام الأسد وهو عمل مكون من مجموعة ثلاثيات كتبها مجموعة من الكتاب، ومسلسل (سعادة المجنون) للكاتب علاء مهنا والذي درات أحداثه قبل التحرير بسنوات قليلة.
والحقيقة أن سجن صيدنايا سيئ السمعة، لم يطل فقط المواطنين السوريين، فلقد ضم في قوائمه جنسيات عربية مختلفة وربما أجنبية، لكن الدراما السورية لم تلتفت إلى ذلك الجانب منه، ولم تخصص له عملا، لأن المظلومية والمعاناة التي عاشها السوريون أنفسهم وتداعياتها على عائلاتهم سواء من بقي منهم داخل السجن أو خرج لاحقا، تحتاج لمئات من الأعمال الدرامية لتُروى.
لذلك يبدو مسلسل (المحافظة 15) الذي أنتجته شركة Marwa Group، ويعرض حالياً على شاشة MTV اللبنانية أحد الأعمال الدرامية التي تجرأت وتطرقت لاعتقال اللبنانيين داخل السجون السورية، الذي كان ينفي نظام الأسد نفيا قاطعا وجودهم في السجون السورية، لكن تحرير عدد منهم من سجن صيدنايا استدعى من السلطات اللبنانية إعادة فتح ملف المخفيين قسراً، والعمل الذي سيستمر طيلة 30 حلقة من بطولة جماعية لبنانية سورية، ويلعب فيها من لبنان كل من يورغو شلهوب وكارين رزق الله إلى جانب فيفيان أنطونيوس وأنطوانيت عقيقي، أما من الجانب السوري فيلعب الأدوار كل من حسن خليل وعدنان أبو الشامات وسوسن أبو عفار وغيرهم، العمل من إخراج سمير حبشي.
تقول كارين رزق الله بطلة وكاتبة العمل: " صحيح أنه بعد أن فتحت أبواب سجن صيدنايا خرج العديد من السجناء السوريين وغيرهم، لكن هناك مجموعة أخرى من السجناء قضوا نحبهم داخل السجن ومن حق ذويهم أن يعرفوا مصيرهم وتاريخ وفاتهم، وأين تم دفنهم، وأن من حقهم استرجاع رفاتهم، وأن يرتاحوا بعد كل تلك السنوات من العذاب، وتطرقنا اليوم للموضوع لأنه تم فتح السجن، ثم جاءت الفرصة حين طُلب مني كتابة عمل درامي فشعرت برغبة كبيرة للحديث عن هذه الفئة من الناس، علنا نصل إلى أجوبة حول المفقودين وعن مكانهم".
والحقيقة كما يقول المثل تُقرأ الأعمال من عناوينها، فسوريا تحتوي على 14 محافظة وكان الهدف وخاصة في أثناء فترة وجود الجيش السوري في لبنان، أو كما يطلق عليه اللبنانيون" الاحتلال السوري"، أن تصبح لبنان (المحافظة 15) أو الحديقة الخلفية سياسياً، صحيح أن تلك الفترة من الاحتلال انتهت إلى غير عودة، لكن تلك القضية ما زالت تشغل اللبنانيين وتشكل لديهم خوفا كبيرا وهاجسا حتى يومنا الحالي بسبب الاتفاقيات الدولية المجحفة، تقول رزق الله: " عشنا لسنوات نردد أننا لا نريد أن يصبح لبنان المحافظة 15، وحاربنا كل على طريقته وفي مجاله".
ليس العنوان فقط كان بتلك المباشرة والجرأة، بل حتى شارة العمل التي كتبها الشاعر ماهر يمين والتي أختزل من خلالها كل المشاعر الإنسانية حيث يكتب: " أنا ردّة فعِل.
على كل شي قبِل.
أنا ماضي مَرَق.
أنا عمري انسَرَق"، متابعا: " نحنا ضحايا ناس.
هنّي ضحايا ناس.
والحلقة ما بتخلص"، وكأن ذلك الألم مشترك ما بين الشعبين على يد نفس الجلاد ومستمر ومتكرر.
تدور قصة مسلسل (المحافظة 15) بشكل مختصر حول السجون السورية والسجناء من خلال قصتين أو لنقل خطين متوازيين: الأول خط فؤاد اللبناني يلعب دوره يورغو شلهوب الذي خرج من السجن للتو بعد أن أمضى ما يقارب 28 سنة فيه لدرجة بات الأمل من عودته أو بقائه حيا أمراً شبه معدوم، لكن الخارج بالنسبة لفؤاد لم يكن مضيئا بقدر ما كان مخيبا، فلقد فقد عائلته بموتها حسرة عليه، كما أنه فقد حبيبته مونيا تعلب دورها كارين رزق الله التي تزوجت وأصبحت اليوم نائبة في البرلمان اللبناني، ذلك البرلمان الذي يشير العمل إلى أنه لم ينصف أبناءه ولم يدافع عنهم ولم يستطع إنقاذهم من السجون، أما الخط الثاني فيدور حول خالد الشاب يلعب دوره حسن خليل والذي قضى 12 عاما في السجن، أي أنه من ضمن سجناء الثورة السورية التي بدأت في العام 2011، والذي تحرر بدوره مع مَن تحرر ليلة سقوط نظام الأسد، ولكنه سيكتشف أيضا أن عائلته قد غادرت سوريا إلى لبنان ليبدأ رحلة البحث عنها وليصادف صديقة فؤاد الذي بسببه سيصل لعائلته، وتتطرق الكاتبة من خلاله إلى المظلومية الكبيرة التي تعرض لها أهل المعتقلين السوريين، فعائلة خالد اضطرت نتيجة اعتقاله ونتيجة المضايقات المستمرة للانتقال إلى لبنان حفاظا على حياتها وكرامتها، الأمر الذي بدل مستقبل أفرادها كليا على صعيد اجتماعي واقتصادي، بل أكثر من ذلك جعلها في موقف ضعف شديد تغاضت معه عن مغتصب ابنتها، فقط لأنها عائلة لاجئة بلا سند أو حتى حماية قانونية.
ما يلفت النظر للعمل ليس فقط أهمية الموضوع الذي تطرقت له رزق الله، بل أداء يورغو شلهوب الاحترافي والمتقن، وكأن هذا الدور شهادة ميلاد جديدة لنجم لبناني مخضرم يُعاد اكتشاف قدراته، أما ما يعيبه فهو نقطة واحدة فقط ربما كان بالإمكان تداركها، وتتعلق أيضا ببطليه، فرغم الأداء الرائع الذي قدمه شلهوب كسجين سابق يحمل في ذاكرته كل آلام التعذيب والعنف التي مر بها عبر سنوات سجنه الطويلة، والتي جعلته يبدو في بعض المواقف رجلا هستيريا ومهزوزا، إلا أنه يبدو لنا كمشاهدين من جانب آخر، رجلا قوي البنية ومنتصب القامة، وهو أمر يتناقض كليا مع واقع السجناء الذين شاهدناهم وقد خرجوا بأجساد ضعيفة جدا ومكسورة، ينطبق الأمر نفسه على الفنان حسن خليل الذي ظهر بصحته وعافيته منذ اللحظات الأولى للعمل، وهو أمر يتنافى أيضا مع الصورة الحقيقية للمعتقلين الخارجين بعد سنوات من السجن والتعنيف الجسدي واللفظي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك