حكاية بدأت مع جائحة كورونا فى مركز العدوة شمال محافظة المنيا، حيث قررت الحاجة سلوى أبوالعلا أن يكون مطبخ بيتها أكثر من مجرد مكان لإعداد الطعام، بل وسيلة للتكافل ونشر الخير طوال شهر رمضان الكريم.
ومنذ ذلك الحين تحوَّل «مطبخ الخير» من فكرة بسيطة إلى أيقونة رمضانية تنتج يومياً نحو 1300 وجبة تصل إلى الأرامل ومحدودى الدخل والعمال الغرباء وكبار السن، فلا تخرج وجبة إلا وقد مرت على قلوب عشرات المتطوعين قبل أن تصل إلى بيوت المحتاجين فى القرى والعزب والنجوع التابعة للعدوة.
وعلى عكس الوجبات الجاهزة أو المعلبات، يقدم المطبخ ما يُعرف بـ«صينية العيلة»، وهى وجبة متكاملة تضم كيلو لحمة، كيلو أرز، كيلو بطاطس مطهوة بعناية، طبق سلطة أو مخلل، حلوى رمضانية مثل القطايف أو الكنافة، وأربع ثمرات فاكهة موسمية مثل الموز أو الفراولة، وأحياناً عبوات عصير عالية الجودة إذا توفرت كتبرعات.
«سلوى»: نعيش لنُطعم.
لا نُطعم لنعيشتقول الحاجة سلوى: «بنستخدم زيت ذرة وسمنة بلدى، علشان الأكل يبقى صحى وريحته زى أكل البيت بالظبط»، مؤكدة أن الأمر لا يقتصر على وجبات الإفطار فقط، بل يمتد إلى السحور وفق حجم التبرعات، حيث يتم توزيع عيش وفول مدمس، فيما يُصنع المخلل بأيدى المتطوعات أنفسهن.
منذ الفجر حتى الغروب، يعمل فريق المطبخ فى تجهيز وجبات اليوم، بينما يعمل فريق آخر على التحضير لليوم التالى.
يضم الفريق 20 فتاة متطوعة من قرى المركز، إلى جانب اثنين من الشيفات يعملان بأجر، والجميع يعمل بتنظيم يشبه العمليات التطوعية لكن بروح العائلة الواحدة.
«فاطمة»: «كل وجبة بنجهزها بدعاء»ومن بين الأسماء البارزة فى هذا الجهد: فاطمة بخيت من قرية برمشا، صابرة صالح على من كفر المغربى، هبة رجب أحمد من عزبة فرج الله، دعاء سلام من قصر لملوم، وسوريا حسن من قرية برامل.
هؤلاء الفتيات يعتبرن عملهن رسالة لنشر الخير، حيث تقول فاطمة بخيت: «أنا بشتغل هنا من أول رمضان، وفرحانة إنى بشيل همّ ناس تانية، فكل وجبة بنجهزها بدعاء، وبنحس إن ربنا بيبارك فى وقتنا وتعبنا».
وتضيف صابرة صالح: «بنحط كابوتشى فى السلطة رغم ارتفاع سعره، عشان الناس تستفيد أكتر، إحنا مش بنقدم أكل بس، إحنا بنقدم كرامة».
المطبخ لم يجذب فقط المتطوعات، بل شارك فيه أيضاً جنود مجهولون، حيث تقول الحاجة سلوى: «مرة فوجئت بشيف متطوع من عزبة محمد بك اشتغل معانا أسبوع كامل، وهو بيشتغل فى القاهرة، جاى علشان يشارك فى ثواب الأكل، مش عايز فلوس، ووعد إنه هيتطوع بالعمل أسبوع كامل دون أجر خلال شهر رمضان الجارى».
ولا يقتصر الدعم على الطهى فقط، فهناك أطباء متطوعون مثل الدكتورة جهاد، إلى جانب معلمين ومهندسين، بعضهم يتولى توفير الفاكهة والكنافة والقطايف، وآخرون يساعدون فى تغليف الوجبات بالورق الحرارى والاسترتش لضمان وصولها ساخنة وكأنها خرجت للتو من الفرن.
خطة التوزيع مدروسة بدقة، حيث تُخصص 1000 وجبة يومياً لقرية بأكملها، فيما توزع 300 وجبة إضافية على العمال الغرباء وكبار السن، وتُخصص وجبة رمزية واحدة كصلة رحم.
«هبة»: «بنوصّل الأكل للناس اللي محدش شايفهم»تقول هبة رجب أحمد: «بنوصّل الأكل للناس اللى محدش شايفهم، فيه عمال بيشتغلوا فى النهار وما بيلحقوش يعملوا حاجة، وبنكون موجودين عشانهم».
«دعاء»: «أكتر حاجة بتخليني أكمِّل هي دعوات الناس»دعاء سلام، إحدى المتطوعات، تروى: «أكتر حاجة بتخلينى أكمِّل هى دعوات الناس، ست عجوزة قالت لى: ربنا يخليكى يا بنتى، إحنا من زمان الخير، هنا عرفت إن إحنا بنعمل حاجة كبيرة».
وتضيف سوريا حسن: «بنشتغل من القلب، كل وجبة بنجهزها كأنها لعيلتنا إحنا، وبنفرح لما نشوف الناس بتدعى لينا».
وسط أطنان البطاطس وأكياس الأرز، تقف الحاجة سلوى بعين دامعة وأخرى مبتسمة وتقول: «كل حاجة حلوة حصلت فى حياتى بسبب مطعم الإطعام ودعوات الناس، وعلشان كدا أنا مستعدة أتعب أكتر علشان أحصل على ثواب أكبر، إحنا مش بناكل عشان نعيش، إحنا بنعيش عشان نُطعم».
انطلقت فكرة مطبخ الخير فى مركز العدوة أقصى شمال غربى محافظة المنيا عام 2021 عقب جائحة كورونا، بجهود ثلاثة أشخاص هم سلوى أبوالعلا، محمود مختار العمدة، والحسينى أحمد رمضان.
ومع تنامى التبرعات نتيجة الثقة الكبيرة فى رسالة الخير، تبرّع شقيقها الدكتور خالد أبوالعلا، رئيس قسم الغسيل الكلوى ونائب مدير مستشفى العدوة، بالطابق الأرضى من منزله بالكامل ليكون مقراً دائماً للمطبخ، الذى أصبح اليوم رمزاً للتكافل والتراحم فى الشهر الفضيل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك