قبل أن تتكشّف ملامح الصراع بسنوات… ريشةُ عبدالله المحرقي كانت قد قرأت مبكرًا ملامح العدوان الإيراني وتشابكات المشهد الدوليمملكة البحرين – شيرين فريدفي لحظاتٍ نادرة من تاريخ الفن، لا يكون الفنان مجرد مُصوِّرٍ للواقع، بل قارئًا عميقًا له، يستشرف ما وراء الظاهر، ويحوّل حدسه إلى صورةٍ تسبق الزمن.
هكذا يبدو الفنان التشكيلي البحريني القدير عبدالله المحرقي في هذه الأعمال التي أنجزها عام 2005؛ أعمالٌ تبدو اليوم وكأنها قراءة مبكرة لما يشهده العالم من اضطرابٍ وصراعٍ وتناقضاتٍ سياسية.
إن المتأمل في هذه الرسومات يكتشف أن المحرقي لم يكن يرسم حدثًا عابرًا، بل كان يلتقط جوهر المشهد العالمي؛ صراع المصالح، وتبدّل التحالفات، وتداخل الأدوار بين الصديق والعدو.
لقد قدّم رؤيته بلغة الكاريكاتير السياسي، تلك اللغة البصرية القادرة على اختزال الواقع المعقد في مشهدٍ واحد مكثف، يحمل دلالات أعمق من الكلمات.
في العمل الأول، نرى صورةً رمزيةً لمنطقة الخليج العربي كأنها فوهة بركان تتعرض للقصف من أطراف متعددة.
المشهد ليس مجرد رسمٍ لحدثٍ عسكري، بل استعارة بصرية عن منطقةٍ تتعرض دائمًا لضغوطٍ وتوتراتٍ دولية.
هنا يظهر وعي الفنان بالجغرافيا السياسية؛ فالمحرقي يضع الخليج في قلب الصراع العالمي، وكأنه يقول إن هذه المنطقة ليست مجرد مساحة جغرافية، بل مركزٌ تتقاطع عنده مصالح القوى الكبرى.
أما في العمل الثاني، فيقدّم الفنان صورة ساخرة لكنها عميقة الدلالة: يدٌ تمسك بصواريخ تحمل رموز القوة النووية، بينما يقف خلفها من يهلّل أو يهرب.
هنا يكشف المحرقي التناقضات التي تحكم السياسة الدولية؛ حيث تتجاور القوة المدمّرة مع الادعاء بالسلام، وتصبح الأسلحة أداةً للهيمنة لا للحماية.
إنها قراءة مبكرة لمعادلة القوة في العالم، حيث تتحكم المصالح في الخطاب السياسي، بينما يبقى الإنسان العادي هو الضحية الأولى.
وفي العمل الثالث، يبلغ المشهد ذروته الرمزية؛ صراعٌ مباشر بين قوى متناحرة، بينما يقف العالم العربي في المنتصف متلقّيًا الضربات من الطرفين.
هذا التصوير ليس مجرد سخرية سياسية، بل تشخيص بصري لواقع معقد، حيث تتحول المنطقة إلى ساحة صراع بين قوى أكبر منها.
اللافت في هذه الأعمال أنها رُسمت قبل نحو عقدين، لكنها تبدو اليوم وكأنها تعكس ما يحدث في العالم المعاصر.
وهذا ما يميز الفنان الحقيقي: القدرة على رؤية ما وراء اللحظة الراهنة، واستشراف الاتجاهات قبل أن تتجسد في الواقع.
لقد أثبت عبدالله المحرقي عبر مسيرته الطويلة أن الفن ليس مجرد جماليات شكلية، بل وعيٌ فكري ورسالة إنسانية.
فالفنان، حين يمتلك حسًا إنسانيًا عميقًا ونظرةً ثاقبة، يستطيع أن يقرأ العالم كما يقرأ كتابًا مفتوحًا، وأن يحوّل هذه القراءة إلى صورةٍ تبقى حية في الذاكرة.
إن هذه الأعمال ليست فقط لوحات كاريكاتيرية؛ إنها وثائق بصرية تسجل رؤية فنانٍ سبق زمنه، واستطاع أن يعبّر بريشته عن قلق العالم وتوتراته قبل أن تتكشف بوضوح أمام الجميع.
وفي النهاية، يبقى عبدالله المحرقي نموذجًا للفنان الذي يجمع بين الإبداع والبصيرة؛ فريشته لم تكن مجرد أداة للرسم، بل كانت عينًا ترى أبعد مما نراه نحن.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك