في مهرجان أبوظبي للشعر، وبين أروقة مركز أدنيك، حيث تتقاطع القصائد مع الحكايات، وتلتقي الأجيال حول منصة واحدة، جلست إلى رجل بدا هادئًا كأنما خرج لتوّه من سطر مكتمل، لا من صخب مهرجان.
كان اللقاء عابرًا في ظاهره، مجرد خطّ اسم على ورقة، لكنه في حقيقته فتح بابًا على حكاية تمتد خمسين عامًا.
اسم الرجل محمد مندي، الخطاط الإماراتي الذي لم يتعامل مع الحرف بوصفه مهنة، بل قدرًا.
تبدأ القصة قبل المدرسة، حين كان الطفل ينشغل برسوم الجغرافيا والعلوم أكثر من انشغاله باللعب.
كانت الخطوط تستوقفه، وكأنها كائنات حيّة تحتاج إلى من يصغي إليها.
كبر قليلًا، فبدأ يسمع ما يسمعه كل مختلف عن السائد: «أنت صباغ، شف لك شغلة ثانية».
كلمات عابرة عند قائلها، لكنها كانت اختبارًا مبكرًا لطفل قرر أن يتمسك بقلمه.
لم يدخل في جدال، ولم يبحث عن انتصار سريع، بل واصل الطريق.
ويقول إنه حين كان بعض المحبطين يطلبون منه كتابة أسمائهم، كان قلمه يرفض.
لم يكن الرفض غرورًا، بل إحساسًا داخليًا بأن للحرف كرامة، وأن الرحلة لم تكتمل بعد.
تتلمذ محمد مندي على يد الخطاط الشهير سيد إبراهيم، فتشكلت الموهبة داخل إطار من الانضباط والدراسة، وتحول الشغف إلى مشروع عمر.
لم يسعَ إلى شهرة عابرة، بل إلى إتقان طويل النفس.
ومع السنوات، بدأت الحروف التي يخطها تغادر دفاتره الخاصة إلى فضاء أوسع.
فكان هو من خطّ عملات دولة الإمارات ومملكة البحرين بجميع فئاتها، وعملة الجمهورية السورية بفئتي المئتين والألف، وخط جوازات سفر عدة دول، منها الإمارات وقطر والكويت وعُمان.
المفارقة أن رجلًا قيل له في صغره «أنت صباغ»، أصبحت حروفه تمرّ بين أيدي ملايين البشر كل يوم، دون أن يعرفوا ملامحه.
وأنا أستمع إليه في ذلك المهرجان، الذي جاء في نسخته الثانية أكثر نضجًا وتنظيمًا وإثراءً للمشهد الثقافي الإماراتي، أدركت أنني لا أجري حوارًا صحفيًا، بل أتابع مشاهد عمل درامي متكامل.
قصة تبدأ من بيت بسيط، ومدرسة عادية، وإحباطات صغيرة، ثم تمضي عبر سنوات من الصبر، حتى تصل إلى لحظة يضع فيها البطل توقيعه على عملة وطن.
هذه ليست دراما صاخبة، ولا بطولة مصنوعة، بل سيرة رجل آمن بحرفه، حتى صار الحرف هو من يمنحه الخلود.
مهرجان أبوظبي للشعر، الذي تنظمه هيئة أبوظبي للتراث، لم يكن مجرد إطار للقاء، بل كان شاهدًا على أن الثقافة في الإمارات تصنع قصصها كما تحتفي بها.
ففي مساحة تحتضن الشعر والندوات والفنون الأدائية، خرجت حكاية خطاط تصلح لأن تكون رسالة لكل جيل، بأن الإبداع ليس ومضة عابرة، بل التزام عمر.
إن قصة محمد مندي ليست فقط سيرة فنان، بل حكاية إماراتية مكتملة العناصر، جاهزة للشاشة.
عمل يمتد خمسة عقود، يعبر خمسة أجيال، ويقدم نموذجًا مختلفًا للبطولة؛ بطولة الإتقان، والثبات، والوفاء للحلم.
عمل يمكن أن يعيد للدراما معناها، ويقدم للمشاهد شخصية حقيقية صنعت مجدها بالحبر والصبر.
هذه حكاية رجل لم يبحث عن الضوء، لكنه كتب اسمه في أماكن لا تُمحى.
وحين تمسك بقلمه لأول مرة، لم يكن يدرك أنه يكتب مستقبله، ومستقبل حروف ستبقى شاهدة عليه، وعلى زمن آمن فيه بأن الحلم يستحق أن يُعاش حتى النهاية.
المصدر: ياسمين الفردان - كاتبة سعودية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك