تُعد مدينة الصويرة من المدن المغربية التي ارتبط اسمها في الذاكرة الجماعية بقيم التسامح والانفتاح الثقافي والديني.
وقد أصبح لقب “مدينة السلام والعيش المشترك” ملازما لها في الخطاب الثقافي والإعلامي، وهو ما يطرح سؤالا تحليليا أساسيا: إلى أي حد يعكس هذا اللقب حقيقة تاريخية واجتماعية راسخة داخل المدينة؟تشير المعطيات التاريخية إلى أن الصويرة عرفت منذ القرن الثامن عشر، تركيبة سكانية متعددة الأديان والثقافات، حيث تعايش داخل أسوارها المسلمون واليهود والمسيحيون في إطار من الاحترام المتبادل للمعتقدات الدينية والتقاليد الثقافية.
وقد شكلت المدينة فضاء ثقافيا واقتصاديا وتجاريا منفتحا على البحر والعالم، وهو ما ساهم في بناء مجتمع محلي قائم على التعاون والتبادل الثقافي والإنساني.
وتقدم المعالم الدينية للمدينة العتيقة دليلا ماديا واضحا على هذا التعدد الديني.
إذ كانت المدينة العتيقة للصويرة، تضم ما يقارب 42 كنيسا يهوديا وكنيستين مسيحيتين إلى جانب 12 مسجدا و15 زاوية صوفية، كما تعكس فضاءات الدفن هذا التنوع الديني، حيث تحتضن المدينة مقبرتين يهوديتين ومقبرة مسيحية وأربع مقابر للمسلمين.
ويكشف هذا الحضور المتعدد لدور العبادة والمقابر عن طبيعة العلاقات التي طبعت تاريخ المدينة، والتي اتسمت بالتعايش واحترام الاختلاف الديني.
ومن بين الرموز الثقافية التي تجسد هذا الإرث الحضاري احتضان المدينة لـبيت الذاكرة، وهو فضاء ثقافي وتاريخي يعنى بالحفاظ على الذاكرة اليهودية المغربية وتاريخها، داخل المدينة.
وتنبع أهمية هذا المعلم من كونه فضاء فريدا على مستوى الدول العربية والإسلامية، كما يُعد المؤسسة الوحيدة من نوعها على ضفاف البحر الأبيض المتوسط التي تعنى بتثمين هذا التراث، في إطار ثقافي يعكس عمق التعدد الذي عرفه المجتمع المغربي.
ولا يقتصر ترسيخ هذه القيم على الماضي والمعالم التاريخية، إذ يظهر كذلك في سلوك سكان المدينة أنفسهم، فمجتمع الصويرة معروف بإيمانه العميق بالقيم الإنسانية وبانفتاحه على مختلف الثقافات، حيث يسود بين أفراده احترام متبادل للآخر دون تمييز بين الناس، مهما اختلفت معتقداتهم الدينية أو توجهاتهم الفكرية والإيديولوجية.
وقد ساهم هذا الوعي الجماعي في جعل التعايش قيمة يومية متجذرة في الحياة الاجتماعية للمدينة.
وتعززت هذه القيم من خلال مبادرات تربوية وثقافية حديثة، فقد شهدت المدينة تأسيس أول نادي للتسامح والتعايش في المغرب داخل الثانوية التأهيلية أكنسوس منذ حوالي خمس سنوات، وهي مبادرة تربوية تهدف إلى ترسيخ ثقافة الحوار وقبول الاختلاف بين التلاميذ، كما احتضنت الصويرة توقيع تصميم المناهج الدراسية الخاصة بالثقافة المغربية اليهودية، وهي خطوة تعكس الاعتراف الرسمي بمكونات الهوية المغربية المتعددة وتؤكد أهمية إدماج هذا التراث في المنظومة التعليمية.
وفي السياق المعاصر، برز دور شخصيات فكرية وثقافية في إحياء هذا الإرث وتعزيزه، وفي مقدمتهم أندري أزولاي مستشار جلالة الملك محمد السادس والرئيس المؤسس لـجمعية الصويرة موكادور، الذي يساهم منذ عقود، إلى جانب مفكرين وفنانين وإعلاميين من أبناء وبنات المدينة، في نشر قيم الحوار بين الأديان والحضارات، والعمل على تعزيز القيم الإنسانية على المستويات المحلية والوطنية والدولية.
كما تحتضن الصويرة على مدار السنة لقاءات ثقافية، ومهرجانات فنية وندوات فكرية تحتفي بهذه القيم الإنسانية، حيث تتحول المدينة إلى فضاء للحوار الثقافي والتفاعل الحضاري بين مختلف الشعوب والثقافات.
وتشكل هذه الدينامية الثقافية امتدادا طبيعيا لتاريخ المدينة ورسالتها الإنسانية.
انطلاقا من هذه المعطيات التاريخية والاجتماعية والثقافية، يتضح أن لقب “مدينة السلام والعيش المشترك” الذي تحمله الصويرة، يستند إلى واقع ملموس وتجارب متراكمة عبر الزمن، فالمبادرات الثقافية والتربوية، إلى جانب تاريخ التعدد الديني وروح الانفتاح التي تميز سكانها، كلها عناصر تستحق الإشادة وتؤكد أن الصويرة ليست فقط حاملة لهذا اللقب، وإنما تجسده في ممارساتها اليومية وفي رسالتها الحضارية.
عن هذه المدينة الرمز، كتب المسرحي الفرنسي المعروف بول كلوديل: « في علمي، لا توجد غير قلعة واحدة، يرتاح المرء عندما يكون بداخلها، ويفضل الموت على أن يسلم مفاتيحها، إنها موكادور بإفريقيا».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك