نيويورك- مثل اجتماع مجلس الأمن الدولي الأخير نقطة تحول كشفت عن تراجع كبير في قدرة طهران على المناورة على المستوى الدولي.
ففي جلسة الجمعة، أصدر المجلس إدانة بالإجماع للهجمات الإيرانية على جيرانها، محولا الموقف الإقليمي الرافض لهذه الهجمات إلى إجماع عالمي يطالب بوقف فوري للانتهاكات.
وقد اعتبر مراقبون هذا القرار بمثابة خريطة طريق جديدة للتعامل مع السلوك الإيراني.
التحول الدولي جاء متزامنا مع تصريحات للمستشار الدبلوماسي للرئيس الإماراتي، أنور قرقاش، الذي أكد أن التصعيد الإيراني قدم دليلا قاطعا لمن يعتبر أن طهران تمثل مصدر الخطر الرئيسي في المنطقة.
وشدد قرقاش على أن البرنامج الصاروخي الإيراني أصبح سببا دائما لعدم الاستقرار، وأن الادعاءات الإيرانية باستهداف القواعد الأميركية ما هي إلا مجرد غطاء يخفي حقيقة الهجمات التي تطال البنى التحتية المدنية والمنشآت الحيوية.
وتحاول إيران تبرير هجماتها بالقول إنها تستهدف القواعد العسكرية الأميركية في الخليج، لكن الحقائق على الأرض تظهر صورة مختلفة تماما.
فالصواريخ والطائرات المسيرة لم تضرب مواقع عسكرية بقدر ما طالت البنى التحتية المدنية والمنشآت الحيوية، مما هدد حياة المدنيين والأبرياء.
هذا التناقض بين ما تقوله إيران وما يحدث على الأرض يكشف طبيعة العدوان الإيراني، ويؤكد أن الهدف الحقيقي ليس مواجهة الولايات المتحدة، بل زعزعة استقرار المنطقة بأكملها.
تصريحات قرقاش جاءت لتوضح هذه الحقيقة وتربط بين السلوك العسكري الإيراني وحالة عدم الاستقرار المستمرة في المنطقة.
القرار كشف عن تراجع حاد في قدرة إيران على المناورة الدولية.
فقد أقر المجلس المشروع الذي تقدمت به الدول الخليجية والأردن بـ13 صوتا مؤيدا، دون أي صوت معارض، فيما امتنعت روسيا والصين عن التصويت فقط.
هذا الموقف يعكس أن القوى الكبرى لم تعد مستعدة للدفاع عن طهران، وأن المجتمع الدولي ككل بات يرى في سلوكها تهديدا مباشرا للسلم والأمن الدوليين.
من بين أبرز النقاط التي ركز عليها أنور قرقاش، وصفه البرنامج الصاروخي الإيراني بأنه سبب دائم لعدم الاستقرار.
هذا التوصيف يعكس إدراكا عربيا ودوليا بأن الصواريخ والمسيرات لم تعد مجرد أدوات للردع، بل أصبحت وسيلة لزعزعة الأمن الإقليمي واستهداف المدنيين والبنى التحتية الحيوية.
الهجمات الأخيرة، التي ادعت إيران أنها موجهة ضد القواعد الأمريكية، أثبتت في الواقع أنها تطال المنشآت المدنية، مما يكشف زيف الخطاب الإيراني ويؤكد أن الهدف الحقيقي هو فرض الهيمنة عبر نشر الفوضى.
لم تعد عزلة إيران مقتصرة على العقوبات الاقتصادية أو الضغوط الغربية فقط، بل تحولت إلى موقف عالمي شامل.
فقد سجل القرار الأخير رقما قياسيا في عدد الدول الداعمة له، حيث بلغ 136 دولة، وهو ما اعتبره قرقاش أكبر عدد في تاريخ المجلس.
هذا الرقم يحمل دلالات عميقة، فالقرار لم يعد خليجيا أو غربيا فقط، بل أصبح مطلبا عالميا يعكس إرادة المجتمع الدولي بأكمله.
فشل طهران في كسب تأييد الدول النامية أو دول الجنوب العالمي يوضح أن خطابها لم يعد مقنعا حتى لدى من كانت تراهن عليهم كحلفاء محتملين.
وهكذا، أصبحت العزلة الإيرانية اليوم أخلاقية وقانونية بقدر ما هي سياسية واقتصادية، مما يضاعف حجم التحديات أمام النظام الإيراني.
من أبرز ما تضمنه قرار مجلس الأمن الدولي البند الذي يطالب إيران بوقف استخدام الوكلاء أو الجماعات المرتبطة بها، وهو اعتراف صريح بمسؤوليتها عن العمليات التي تنفذها أذرعها في المنطقة.
هذا البند يضع طهران أمام مساءلة مباشرة، إذ لم يعد بإمكانها التملص من أفعال المليشيات والجماعات المسلحة التي تعمل تحت مظلتها.
الاعتراف الدولي بمسؤولية إيران عن هذه الأذرع يفتح الباب أمام تحركات قانونية مستقبلية، وربما إجراءات تحت الفصل السابع إذا استمر التعنت.
هذا يعني أن الخيارات أمام النظام الإيراني باتت محدودة، إما الاستجابة لمطلب وقف الاعتداءات والحد من استخدام الصواريخ والوكلاء، أو المضي قدما في مسار العزلة الذي قد يؤدي إلى عقوبات غير مسبوقة وربما إجراءات عسكرية أو سياسية أكثر صرامة.
على المستوى الداخلي، استمرار التصعيد سيضاعف الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، ويزيد من تآكل شرعية النظام أمام شعبه.
أما على المستوى الإقليمي، فسيعزز وحدة الموقف العربي ويقوي التحالفات الأمنية في مواجهة التهديدات الإيرانية.
وعلى الصعيد الدولي، فإن الإجماع الذي تحقق في مجلس الأمن يفتح الباب أمام بناء تحالف عالمي أوسع يربط أمن الخليج والأردن بالاستقرار الدولي، ويجعل أي محاولة إيرانية للالتفاف على القرار مغامرة مكلفة قد تزيد من عزلتها أكثر من أي وقت مضى.
لقد أثبت اجتماع مجلس الأمن أن العدوان الإيراني لم يعد قضية إقليمية محدودة، بل تحول إلى ملف دولي يثير إجماعا غير مسبوق على ضرورة ردع طهران.
فالعزلة التي كانت في الماضي اقتصادية أو سياسية، أصبحت اليوم عزلة أخلاقية وقانونية أيضا، تعكس رفض المجتمع الدولي لنهج الهيمنة واستخدام الصواريخ والوكلاء.
تصريحات أنور قرقاش جاءت لتؤكد أن الهجمات الأخيرة قدمت الدليل القاطع على أن إيران هي مصدر الخطر الرئيسي في المنطقة.
ومع هذا الإجماع الدولي، باتت الكرة في ملعب طهران، إما أن تتراجع عن سياساتها العدوانية وتستجيب لمطلب وقف الاعتداءات، أو أن تمضي في طريق العزلة الذي قد يقودها إلى تبعات غير مسبوقة تحت مظلة القانون الدولي.
تطور الأحداث المتسارع يمثل منعطفا جديدا في المشهد الإقليمي والدولي، حيث تلتقي الإرادة العربية مع الإجماع العالمي في رسم حدود واضحة لردع التهديدات الإيرانية، وتثبيت مبدأ أن الأمن الجماعي لا يمكن أن يبقى رهينة لمغامرات دولة تسعى إلى الهيمنة عبر نشر الفوضى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك