فى مقال الأمس استعرضت الأفكار الأساسية لكتاب «الإسلام وأصول الحكم» للشيخ على عبدالرازق، ما يفتح الباب أمام تناول مسار صاحب الكتاب، الذى ولد فى قرية «صفط أبوجرج» مركز «بنى مزار»، بمحافظة «المنيا»/ صعيد مصر سنة 1305هـ1887 م.
حفظ القرآن صغيراً والتحق بالأزهر، وتعلم على يد شيوخ كثر، منهم الشيخ أحمد أبوخطوة، والشيخ أبوعليان.
وحين افتتحت الجامعة الأهلية سنة 1908 م، التحق «عبدالرازق» بها، من دون أن يترك دراسته الأزهرية، فجمع بين الاطلاع على العلوم الدينية والمدنية.
وفى عام 1912 تخرج فى الأزهر، وحصل منه على شهادة «العالمية».
وعقب تخرجه سافر إلى إنجلترا على نفقة أسرته، والتحق هناك بجامعة إكسفورد، عازماً على دراسة الاقتصاد، لكن اندلاع الحرب العالمية الأولى اضطره أن يعود إلى مصر سنة 1915م، ليعين فى السنة ذاتها قاضياً شرعياً.
وكتب «عبدالرازق» العديد من المقالات فى جريدة «السياسة» التى كان يصدرها حزب «الأحرار الدستوريين»، وحاضر فى طلبة الدكتوراه بجامعة القاهرة عشرين عاماً كاملة فى مصادر الفقه الإسلامى.
وقد ألف إلى جانب «الإسلام وأصول الحكم» عدة كتب، هى «أمالى على عبدالرازق» و«الإجماع فى الشريعة الإسلامية» و«من آثار مصطفى عبدالرازق».
وقد فصل «عبدالرازق» من عمله فى 17 سبتمبر سنة 1925 بعد المحكمة التأديبية التى عقدها له الأزهر على كتاب «الإسلام وأصول الحكم»، فخرج بمقتضى القرار من «زمرة العلماء»، لكن حين تولى أخوه الشيخ مصطفى عبدالرازق (1885 - 1946) مشيخة الأزهر أعاده إلى موقعه.
وعين على عبدالرازق وزيراً للأوقاف فترة قصيرة فى حكومة إبراهيم عبدالهادى باشا امتدت من 28 ديسمبر 1948 إلى 25 يوليو 1949، كما شغل عضوية مجلس النواب، ومجلس الشيوخ، وعين عضواً بمجمع اللغة العربية بالقاهرة.
وقد توفى فى جمادى الآخرة من عام 1386هـ الموافق 23 سبتمبر 1966م.
والمزية الكبرى لكتاب «الإسلام وأصول الحكم» ليست فقط إعطاءه مثلاً فى استجابة الفقه للظرف السياسى، حتى لو أنتج رأياً عليه مطعن أو اجتهد اجتهاداً عليه مأخذ، بل أيضاً معالجته لقضية تتجدد باستمرار فى واقع المسلمين، ولا تلوح فى الأفق أى بوادر لإمكانية تبددها فى المستقبل المنظور، بل إن وطأتها زادت مع صعود نفوذ الجماعات والتنظيمات السياسية ذات الإسناد الإسلامى، أو التى تتخذ من الدين الإسلامى أيديولوجية أو إطاراً لفكرها وممارساتها فى المجال العام.
يزيد على ذلك أن الكتاب فى حينه كان يبدو «ثورة فكرية» أو «خروجاً ظاهراً» على رؤى تقليدية، بغية تأسيس مسار مدنى للدولة الشرقية، التى كانت لا تزال خارجة لتوها من فلك الصيغة الإمبراطورية.
لكن المزية الأكبر لهذا الكتاب، فى ظنى، هى أنه لم يسقط بالتقادم، أو يحال إلى تاريخ المعرفة، بل لا يزال حياً بين ظهرانينا، وكأن صاحبه قد فرغ من تأليفه فى اللحظة الراهنة، أو تلك المتوقع أن نحياها، ولا فكاك منها، وكما أنها تعيش بيننا عياناً بياناً، فإنها قادمة لا ريب فيها.
وتبقى هذه السمة قائمة فى فكرة الكتاب ومضمونه، حتى لو كان صاحبه قد انحرف عن دوره، أو قام بدور لا يروق لكثيرين.
فربما كان على عبدالرازق هو «مثقف السياق» الذى يلبى حاجة متغيرة، تفرضها عليه قوة تقع خارجه، أو ينجذب هو إليها ليؤدى لها خدمة تنتظرها، وقد لا تعرف هى ذاتها كيف تدبرها.
وربما كان هو «المثقف الأزلى» أو «المثقف الحقيقى» الذى يلبى نداء داخله، يدفعه إلى أن يقول كلاماً محدداً، ويسير فى طريق معين، بغية نصرة الحق، وإزهاق الباطل، من دون مساومة ولا تردد.
لكن بغض النظر عن الفروق الجوهرية بين هذين النمطين من المثقفين، فإن «عبدالرازق» كان على الأقل يلعب دور «المثقف الناقد»، الذى يخرج على المألوف، ويقلب السائد على وجوهه المتعددة، وليس «المثقف الاحترافى» أو «الاختصاصى» الذى يكتب ما يملى عليه، أو يفصل ويشرح بإسهاب الفكرة المركزية التى تعطى إليه، من دون أن يختارها، أو يكون له رأى فى اختيار غيرها، أو تفصيلها على نحو يخالف ما قصده أصحابها.
كما أنه لم يكن الكاتب الذى يرضى بمجرد نقل المعرفة، أو الفقيه الذى يستسلم لما أورده سلفه من اجتهادات، ولا يتعداها.
والسطر الأول فى الكتاب يظهر كيف كان صاحبه يتحلى بشجاعة الكلمة، ويبدى استعداده لتحمل تبعات ما تجره عليه من ويلات، فها هو يقول فى افتتاح الكتاب: «أشهد أن لا إله إلا الله، ولا أعبد إلا إياه، ولا أخشى أحداً سواه.
له القوة والعزة، وما سواه ضعيف ذليل.
وله الحمد فى الأولى والآخرة.
وحسبى الله ونعم الوكيل».
كما أن الحديث الذى أدلى به «عبدالرازق» لجريدة «البورس إيجيبسين» ونشرته جريدة السياسة مترجماً فى عددها الصادر فى الرابع عشر من أغسطس سنة 1925، يثبت كيف كان فى بداية المعركة مقتنعاً بما كتب، غير مبالٍ بالعاقبة، وكأنه يدرك أن هذا قدر «المثقف المختلف».
فحين سأله مندوب الجريدة: هل يخرجك حكم علماء الأزهر من الإسلام؟ أجاب فى غضب: كلا على الإطلاق.
الحكم أخرجنى من هيئة علماء الأزهر، وهى هيئة علمية أكثر منها دينية، ولم ينشئها الدين الإسلامى ولكن أنشأها مشرع مدنى لم تكن له أية صفة دينية ولأغراض إدارية.
وبناء عليه فإننى لن أكون فى حسن الإيمان والإخلاص للإسلام أقل من أولئك العلماء الذين قضوا بإخراجى».
ورغم أن على عبدالرازق قد ألف ثلاثة كتب أخرى فإنه لم يعرف إلا بكتابه الرابع، الذى رام منه فصل الدين عن السلطة فصلاً ظاهراً لا لبس فيه ولا مماحكة أو مداورة.
ولم يشأ أبداً أن يقف فى منتصف المسافات، أو يميل إلى أنصاف الحلول فى قضية شائكة، طالما سببت لكل من أبدى فيها رأياً يخالف التصور الموروث أذى تراوح بين التجهيل والتفسيق وصولاً إلى التكفير، أو على الأقل المحاكمة والطرد من «هيئة كبار علماء الأزهر».
وقد وجهت هيئة كبار العلماء إلى «عبدالرازق» سبع «تهم» محددة هى:1 - جعل الشريعة الإسلامية شريعة روحية محضة لا علاقة لها بالحكم والتنفيذ فى أمور الدنيا.
2- وإن الدين يمنع من أن جهاد النبى صلى الله عليه وسلم كان فى سبيل الملك، لا فى سبيل الدين، ولا لإبلاغ الدعوة إلى العالمين.
3- وإن نظام الحكم فى عهد النبى صلى الله عليه وسلم كان موضوع غموض أو إبهام أو اضطراب أو نقض، وموجباً للحيرة.
4- وأن مهمة النبى صلى الله عليه وسلم كانت بلاغاً للشريعة مجرداً عن الحكم والتنفيذ.
5- وإنكار إجماع الصحابة على وجوب نصب الإمام، وعلى أنه لا بد للأمة ممن يقوم بأمرها فى الدين والدنيا.
6- وإنكار أن القضاء وظيفة شرعية.
7- وأن حكومة أبى بكر والخلفاء الراشدين من بعده كانت لا دينية.
لكن أى سياق كان «عبدالرازق» مثقفه، أو أى ظروف أنتجت هذا الكتاب المثير للجدل؟ والإجابة التى ترد على أغلب الألسن، إن لم تكن جميعها، أن الكتاب ابن المعركة الفكرية التى دارت رحاها فى مصر عقب إلغاء مصطفى كمال أتاتورك لـ«الخلافة الإسلامية» سنة 1924.
فالأزهر حمل بشدة على أتاتورك، ودعا إلى عقد مؤتمر لبحث هذه المسألة، وتعالت أصوات تنادى بأن يكون «الملك فؤاد» خليفة للمسلمين.
وفى المقابل كان هناك تيار سياسى يهاجم الخلافة، ويتمنى ألا تعود أبداً، يقف على رأسه «حزب الأحرار الدستوريين»، الذى كان أفراد من أسرة عبدالرازق يقفون فى طليعته، ولذا أهدى المؤلف نسخة من كتابه إلى صديقه الدكتور محمد حسين هيكل، رئيس تحرير جريدة «السياسة»، لسان حال هذا الحزب، والتى لعبت دوراً كبيراً فى الترويج للكتاب، وفى الدفاع عن مضمونه، وعن مؤلفه.
لكن هناك من يشكك فى هذا السياق المألوف، ويحيل فترة تأليف الكتاب إلى أيام الحرب العالمية الأولى (1914- 1918) وفى مطلع هؤلاء الدكتور محمد ضياء الدين الريس، الذى كرس جل جهده الوافر لترسيخ أركان «النظرية السياسية للإسلام».
ففى كتابه «الإسلام والخلافة فى العصر الحديث: نقد كتاب الإسلام وأصول الحكم» ذهب «الريس» إلى أن كتاب على عبدالرازق قد تم تأليفه على ما يبدو بين سنتى 1915 و1917، كما نص المؤلف نفسه على ذلك فى المقدمة، وهى مسألة تدل عليها وتسندها إشارة المتن إلى الخليفة العثمانى محمد الخامس، الذى انتهى حكمه فى السنة التى انتهت فيها الحرب الأولى.
لكن «عبدالرازق» نفسه لم ينف هذا، وذكر بوضوح وجلاء ما يدل على أن تأليف كتابه هذا استغرق منه سنوات.
فها هو يقول فى المقدمة: «شرعت فى بحث ذلك كله منذ بضع سنين.
ولا أزال بعد عند مراحل البحث الأولى.
ولم أظفر بعد الجهد إلا بهذه الورقات، أقدمها على استحياء إلى من يعنيهم الموضوع».
ثم يقول أيضاً فى المقدمة ذاتها: «تلك الورقات هى ثمرة عمل بذلت له أقصى ما أملك من جهد.
وأنفقت فيه سنين كثيرة العدد.
كانت سنين متواصلة الشدائد، متعاقبة الشواغل، مشوبة بأنواع الهم، مترعة كأسها بالألم.
أستطيع العمل فيها يوماً، ثم تصرفنى الحوادث أياماً.
وأعود إليه شهراً ثم أنقطع أعواماً».
وقد حاول «الريس» أن يقطع الطريق على مؤلف «الإسلام وأصول الحكم» ويهز الدعامة التى اتخذها مناصروه اللاحقون سنداً لهم، وهى تلك التى تعتبر الكتاب أطروحة شجاعة فى وجه الملك فؤاد، الذى لم يكن أهلاً لحمل لواء الخلافة بعد سقوطها.
فـ«الريس» يرى أن فؤاد لم يظهر أى رغبة فى الخلافة، بل إنه كتب ذات مرة إلى سعد زغلول يقول: «كيف أقوم بالواجب نحو جميع المسلمين، مع أن حملى ثقيل بالنسبة لمصر وحدها؟ » كما أن الملك كان قريباً من «الأحرار الدستوريين» الذى باركوا ما فعله أتاتورك.
أكثر من ذلك يستشهد «الريس» بما كتبه «عبدالرازق» نفسه مادحاً فؤاد، ونافياً أن يكون قد قصده بأى سوء، فها هو ينشر فى جريدة السياسة: «ملك مصر أعز الله دولته هو أول ملك عرفه الإسلام فى مصر ملكاً دستورياً ينصر العلم والعلماء ويؤيد فى بلده مبادئ الحرية».
لكن مصادر عديدة أجمعت على عكس ما ذهب إليه «الريس»، وقدمت دلائل دامغة على أن فؤاد كان يطمع فى أن يكون خليفة للمسلمين بعد سقوط الخلافة العثمانية.
معركة «الإسلام وأصول الحكم».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك