يثير صعود مجتبى خامنئي إلى واجهة المشهد السياسي في إيران جدلاً واسعاً داخل البلاد وخارجها، ليس فقط بسبب شخصيته السياسية أو مواقفه المتشددة، بل لأن الطريقة التي يجري بها الدفع باسمه نحو موقع القيادة تتعارض مع الأسس التي قامت عليها الثورة الإيرانية عام 1979.
فالثورة التي قادها آية الله روح الله الخميني قامت أساساً ضد نظام الشاه محمد رضا بهلوي الذي كان يقوم على الحكم الوراثي وتركيز السلطة في عائلة واحدة.
وقد قدمت الجمهورية الإسلامية نفسها آنذاك بوصفها نظاماً بديلاً يقوم على الشرعية الدينية والمؤسساتية، لا على التوريث أو انتقال السلطة داخل العائلة.
لكن ما يحدث اليوم يطرح تساؤلات جدية حول مدى التزام النظام بتلك المبادئ.
تتعلق إحدى أبرز الإشكاليات بآليات اختيار المرشد الأعلى.
فالدستور الإيراني ينص بوضوح على أن اختيار المرشد يتم عبر مجلس خبراء القيادة، وهو الهيئة الدينية المنتخبة المخولة دستورياً بهذا القرار.
غير أن اسم مجتبى خامنئي يُطرح في سياق سياسي وأمني يبدو بعيداً عن هذا المسار المؤسسي.
إذ تشير تقارير وتحليلات إلى أن طرحه كخيار محتمل للقيادة لم يأتِ نتيجة نقاش علني داخل مجلس الخبراء، بل نتيجة ترتيبات داخل مراكز النفوذ في الدولة، وعلى رأسها الحرس الثوري.
إلى جانب الجدل الدستوري، تبرز مسألة أخرى تتعلق بالمؤهلات الدينية.
فموقع المرشد الأعلى في النظام الإيراني يفترض أن يشغله رجل دين يمتلك ثقلاً فقهياً واضحاً ومكانة علمية رفيعة داخل الحوزات الدينية.
غير أن كثيراً من المراقبين يرون أن مجتبى خامنئي لا يتمتع بالمستوى الفقهي الذي يضعه في مصاف كبار المراجع الدينيين، وهو ما يضعف شرعيته الدينية مقارنة بشخصيات أخرى داخل المؤسسة الدينية الإيرانية.
نفوذ صنعته المؤسسة العسكريةفي المقابل، يبدو أن مصدر القوة الأساسي لمجتبى لا يأتي من المؤسسة الدينية بقدر ما يأتي من شبكة علاقاته داخل أجهزة الدولة، وخاصة الحرس الثوري.
فخلال السنوات الماضية، تشير العديد من التقارير إلى أن مجتبى لعب دوراً مؤثراً خلف الكواليس في ملفات سياسية وأمنية حساسة، وبنى علاقات متينة مع قيادات في الحرس الثوري وأجهزة الأمن، ما جعله شخصية ذات نفوذ داخل مراكز القرار رغم عدم شغله أي منصب حكومي رسمي.
ويعتقد بعض المحللين أن قرار الدفع باسمه إلى موقع القيادة قد يكون نتاج تقاطع مصالح بين جناح متشدد في المؤسسة الدينية وقيادات نافذة في الحرس الثوري، التي ترى في استمرار خط العائلة الحاكمة ضمانة لاستمرار التوازنات الحالية داخل النظام.
هذه التطورات تضع النظام الإيراني أمام مفارقة تاريخية واضحة.
فالثورة التي أطاحت بنظام ملكي وراثي قبل أكثر من أربعة عقود تجد نفسها اليوم متهمة بإعادة إنتاج نموذج مشابه، وإن كان بغطاء ديني وسياسي مختلف.
وبينما كان شعار الثورة في بدايتها يقوم على رفض حكم العائلة وتركيز السلطة، يرى كثيرون أن انتقال النفوذ من الأب إلى الابن — ولو بطرق غير مباشرة — يمثل تحوّلاً عميقاً في طبيعة النظام، وربما ابتعاداً عن المبادئ التي قامت عليها الجمهورية الإسلامية.
فيبقى السؤال الأهم اليوم هو ما إذا كان صعود مجتبى خامنئي سيحظى بقبول داخل المؤسسة الدينية والسياسية الأوسع في إيران، أم أنه سيفتح الباب أمام صراعات داخلية حول شرعية القيادة.
لكن ما يبدو واضحاً أن مجرد طرح هذا السيناريو يعكس تحولاً كبيراً في طبيعة النظام الإيراني، ويعيد طرح السؤال الذي قامت الثورة أصلاً للإجابة عنه: هل إيران جمهورية ثورية… أم نظام حكم يتركز تدريجياً داخل عائلة واحدة؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك