تبقى الكوميديا السلاحَ الأكثر فتكاً، لا لأنها تجرح بل لأنها تعرى، ولا لأنها تصيب الجسد بل لأنها تبلغ الروح، حيث لا دروع ولا تحصينات.
وتبقى الضحكة صاروخاً ضوئيّاً لا يخطئ مداره.
ينفذ من شقوق النفس كما تنفذ ومضة برق عبر ليل مكتظ بالغيم فلا يحجبه دفاع ولا يرده جدار.
الكوميديا هى الفن الأشد وعورة والأخطر، ولا سيما أمام متلقين جعلوا من السخرية قنطرتهم اليومية لعبور ثقل الوجود، يسخرون من كل شىء لأن الحياة نفسها تسخر منهم، فالضحكة لعبتهم ومتعتهم وخبزهم الذى يقتاتون به.
الكتابة الكوميدية سكين ذو حدين بلا مقبض، إن أحسنت الإمساك به حلّق بك كريشة فى مهب الضوء، وإن أخطأت نزف صاحبه قبل أن يصيب سواه.
قد ترفع صاحبها إلى عنان السماء على أجنحة الخفة والقبول وقد تهوى به إلى قاع سحيق من النسيان، حيث لا دليل ولا منفذ ولا خيط أمل.
الأصعب أن ينجح عمل كوميدى والأشد صعوبة أن يتكرر هذا النجاح، إذ إن الضحك بخلاف الدموع لا يستدعى بالأمر ولا يصدر بالنية، وهنا تتجلى المعضلة الوجودية التى تواجه صناع الدراما حين يغامرون بجزء ثانٍ، مستندين إلى وهج البداية فإذا بالوهج يخبو لأن النار لم تغذِ بما يكفى.
ومن هنا تبدو مغامرة الجزء الثانى لأى عمل كوميدى كمن يحاول الإمساك بوميض سبق أن انطفأ، وكثيراً ما يعول على وهج البداية.
غير أن صناع مسلسل «النص التانى» بدوا كمن أدرك أن الحكايات ليست ومضات، بل كائنات حية تنمو إذا وجدت لها تربة صالحة، فلم يتعاملوا مع الجزء الثانى بوصفه تابعاً لنجاح سابق، بل كامتداد طبيعى لنبض درامى لم يكن ينوى أن يتوقف أصلاً.
كانوا يكتبون المستقبل منذ اللحظة الأولى، كمن يزرع شجرة وهو يعلم أنها ستثمر أعواماً طويلة لا موسماً واحداً، ثم إن حكاية «النص» نفسها تحتمل أحداثاً شتى حتى لو انحرفت عن صرامة الواقع أو لم تعتمد كلياً على مذكرات اللص التائب عبدالعزيز النص.
إنها حكاية تشبه بستاناً خصباً كلما غرست فيه بذرة أخرج زهرة، وكلما سقيته تجربة أطلق عطراً جديداً، وكأن السرد فيه لا ينفد بل يتجدد، مثل شعاع يعرف طريقه إلى الضوء وهو ما يحسب لكتابه شريف عبدالفتاح وعبدالرحمن جاويش ووجيه صبرى، يضاف إلى ذلك إيمان أبطال العمل بأنهم لا يقدمون تسلية عابرة بل يصنعون عملاً جاداً، حتى وإن كانت الكوميديا هى لغته الأساسية.
لقد عومل المسلسل بوقار الحرفة لا بخفة الاستسهال بلا إسفاف ولا تودد مصطنع للضحك، فبدت النتيجة نقلة نوعية مختلفة لا تكراراً باهتاً، وهنا لا بد من الإشارة إلى بصمة المخرج حسام على، الذى يدير تفاصيل عمله كما يدير قائد أوركسترا سيمفونية معقدة، لا يترك نغمة للصدفة ولا إيقاعاً للارتجال.
تتجلّى بصمة المخرج حسام على كعقل كلى ينسق الفوضى كى تبدو عفوية، يسيطر على التفاصيل كما لو أنه يحرس توازناً دقيقاً بين العبث والنظام، بين الانفلات والانسجام، أما أحمد أمين فيظهر ككوميديان يشتعل بهدوء، لا يضحكك لأنه يبالغ بل لأنه صادق إلى حد مؤلم، يمنح من حوله فضاء للوجود كأن الضوء عنده لا يحتكر بل يتكاثر حين يقسم.
لذلك لا تبدو وجوه أسماء أبواليزيد وميشيل ميلاد وعبدالرحمن محمد وحمزة العيلى ودنيا سامى إضافات هامشية بل كواكب تدور فى فلك الحكاية نفسها لكل مداره وجاذبيته، أما صدقى صخر فهو ممثل كبير بالمعنى الحرفى للكلمة، إذ قدم تحولات شخصية الضابط علوى فى الجزء الثانى بعمق واتزان وصدق شعورى وحرفية عالية، حتى النجوم الذين شاركوا فى الجزء الثانى مثل بسمة والطفل عبدالله كمال كانوا فى أوج تألقهم.
فى المجمل يبدو نجاح العمل وكأنه نتيجة تضافر عناصر لا ترى بقدر ما تحس جد صامت.
تخطيط بعيد النظر.
إيمان بالحكاية واحترام نادر لعقل المتلقى.
حتى أصبح المسلسل وجبة ضرورية لا ترفيهية فحسب.
طقساً صغيراً من طقوس النجاة اليومية فهو لا يمنحك الضحك فقط لأنها تضحك فحسب بل لأنها تمنح المشاهد لحظة مصالحة مع قسوة العالم، لحظة يشعر فيها أن الضحك ليس هروباً من الواقع بل طريقة نبيلة لمواجهته.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك