كشفت نتائج الجولة الأولى من الانتخابات البلدية في فرنسا تحولات لافتة في المشهد السياسي المحلي، حيث حقق اليمين المتطرف تقدما في عدة مدن، بينما سجل حزب فرنسا الأبية اليساري الراديكالي اختراقا غير متوقع في عدد من البلديات، في استحقاق ينظر إليه على أنه اختبار سياسي قبل الانتخابات الرئاسية المرتقبة عام 2027.
أظهرت النتائج الأولية تصدر حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف بزعامة مارين لوبن، نتائج التصويت في عدة مدن، مع احتفاظ بعض رؤساء البلديات المنتمين إليه بمناصبهم منذ الجولة الأولى، من بينهم رئيس بلدية مدينة بربينيون.
كما حقق الحزب نتائج قوية في مدن أخرى، أبرزها مرسيليا، حيث تشير التقديرات إلى تقارب كبير بين مرشح الحزب والمرشح اليساري، مع حصول كل منهما على نحو 35% من الأصوات، في مؤشر واضح على توسع نفوذ اليمين المتطرف مقارنة بالانتخابات البلدية السابقة.
ورحبت زعيمة الحزب مارين لوبان بهذه النتائج، معتبرة أنها تمنح حزبها “فرصا حقيقية للفوز” في الجولة الثانية المقررة في 22 مارس، في وقت يسعى فيه الحزب إلى تعزيز حضوره المحلي تمهيدا للانتخابات الرئاسية المقبلة.
في المقابل، سجل حزب فرنسا الأبية بقيادة جان لوك ميلانشون نتائج مفاجئة في عدة مدن، متحديا التوقعات التي رجحت تراجع اليسار الراديكالي.
ففي مدينة سان دوني الواقعة في ضواحي العاصمة، تمكن الحزب من الفوز برئاسة البلدية منذ الجولة الأولى، وهو إنجاز لافت لم تتوقعه استطلاعات الرأي.
كما حقق الحزب نتائج قوية في مدن أخرى مثل ليل ومدينة روبيه، حيث اقترب مرشحوه من الفوز أو تأهلوا إلى الجولة الثانية بنسبة تصويت مرتفعة.
ويرى محللون أن هذه النتائج تمنح الحزب موقع “صانع الملوك” في العديد من البلديات، إذ قد يصبح قادرا على ترجيح كفة التحالفات في الجولة الثانية.
وفي سياق متصل، ورغم المنافسة الحادة، تمكن الحزب الاشتراكي الفرنسي من الحفاظ على جزء كبير من معاقله المحلية، مستفيدا من جذوره التاريخية في البلديات الفرنسية.
وقد ساعد هذا الانتشار المحلي الحزب على الحد من خسائره التي تكبدها خلال السنوات الماضية في الانتخابات الوطنية.
في المقابل، سجل حزب النهضة الذي أسسه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تراجعا ملحوظا في هذه الانتخابات.
ويعزو مراقبون ذلك إلى عاملين رئيسيين، الأول يتعلق بتراجع شعبية السياسات الحكومية خلال السنوات الأخيرة، والثاني بكون الحزب حديث التأسيس نسبيا ولا يمتلك حضورا محليا قويا في البلديات.
وبدوره، سجل اليمين التقليدي المتمثل في حزب الجمهوريون تراجعا نسبيا، نتيجة استمرار انتقال جزء من ناخبيه إلى اليمين المتطرف، إضافة إلى الانقسامات الداخلية بين قياداته حول العلاقة مع معسكر ماكرون أو التقارب مع التجمع الوطني.
معركة التحالفات قبل الجولة الثانيةمع اقتراب الجولة الثانية، تتجه الأنظار إلى التحالفات المحتملة بين القوى السياسية المختلفة.
ففي معسكر اليسار، قد يضطر الاشتراكيون إلى التعاون مع حزب فرنسا الأبية في بعض المدن لمواجهة تقدم اليمين واليمين المتطرف، رغم الخلافات السياسية العميقة بين الطرفين.
أما في معسكر اليمين، فيواجه اليمين التقليدي معضلة مشابهة، إذ إن التعاون مع حزب التجمع الوطني قد يمنحه فرصا أكبر للفوز، لكنه يعني أيضا التخلي عن موقف تاريخي برفض التحالف مع اليمين المتطرف.
انتخابات فرنسا 2026 اكتسبت طابعا سياسيا واضحا، في ظل حالة الاستقطاب السياسي التي تعيشها البلاد، إضافة إلى كونها آخر اختبارا انتخابيا كبيرا قبل الانتخابات الرئاسية المرتقبة عام 2027.
ويرى مراقبون أن نتائج الجولة الثانية ستحدد ملامح موازين القوى السياسية في فرنسا خلال المرحلة المقبلة، كما قد تعطي مؤشرات مبكرة عن الاتجاهات المحتملة للناخبين في الاستحقاق الرئاسي القادم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك