واشنطن- أعلنت وزارة الخارجية الأميركية عن تحرك دبلوماسي واسع تقوده إدارة الرئيس دونالد ترامب لحشد الحلفاء من أجل تصنيف الحرس الثوري الإيراني وحزب الله اللبناني كمنظمتين إرهابيتين، في خطوة تهدف إلى تكثيف الضغط الدولي على طهران وتقليص نفوذها الإقليمي.
ودعت البرقية الداخلية الصادرة عن الوزارة والموقعة من وزير الخارجية ماركو روبيو، جميع البعثات الأميركية حول العالم إلى التواصل مع الحكومات على أعلى المستويات لدفعها نحو اتخاذ خطوات ملموسة، مع ضرورة التنسيق مع الجانب الإسرائيلي، وذلك في موعد أقصاه 20 مارس.
ويعكس هذا التحرك الأميركي توجها استراتيجيا يراهن على توظيف “العزلة الدولية” كأداة ضغط جماعي، بعدما أظهرت التجارب السابقة أن الإجراءات الأحادية غالبا ما تكون محدودة التأثير.
وتهدف واشنطن من وراء هذه الحملة إلى تقليص قدرة الحرس الثوري وحزب الله على تمويل ودعم أنشطة تصفها الإدارة بالإرهابية في مختلف أنحاء العالم، عبر تجفيف مصادر التمويل وفرض قيود قانونية ومالية تحد من حركتهما على الساحة الدولية.
وفي هذا الإطار، لا يقتصر الهدف على رمزية سياسية، بل يشمل أدوات ملموسة تشمل تجميد الأصول، فرض قيود على التحويلات المالية، وملاحقة الشبكات المرتبطة بهذه الكيانات في الأسواق العالمية.
وتأتي هذه الخطوة في سياق تصاعد التوترات العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، حيث تتداخل المواجهات العسكرية مع الضغوط السياسية والاقتصادية.
وفي هذا الإطار، يمكن اعتبار تصنيف الحرس الثوري وحزب الله جزءا من استراتيجية أميركية متعددة الأبعاد، تجمع بين القوة العسكرية، والعقوبات الاقتصادية، والدبلوماسية، بهدف فرض معادلة ردع متعددة المستويات على إيران ووكلائها.
ولا يسعى التحرك الأميركي فقط إلى حماية المصالح المباشرة، بل إلى تقليص قدرة طهران على استخدام وكلائها كأذرع ضغط إقليمية، بما في ذلك في ساحات النزاع غير المباشرة.
إلا أن مساعي واشنطن تواجه تحديات واضحة، إذ إن بناء إجماع دولي حول هذه القضايا ليس أمرا يسيرا.
فبعض الحلفاء، رغم اتفاقهم مع الولايات المتحدة بشأن القلق من الدور الإيراني، أبدوا تحفظات على الانخراط الكامل في استراتيجية قد تؤدي إلى تصعيد إضافي، أو تقلّص هامش المناورة الدبلوماسية لديهم في التعامل مع طهران.
ويعكس هذا التردد، إلى جانب رفض بعض الدول الانضمام إلى مبادرات أمنية مثل تأمين الملاحة في مضيق هرمز، حذرا دوليا من الانجرار إلى مواجهة مفتوحة في منطقة شديدة الحساسية.
ويزداد التحدي تعقيدا في ضوء شعور بعض الشركاء بعدم اطلاعهم مسبقا على العمليات العسكرية الأخيرة التي شنتها واشنطن وتل أبيب ضد إيران، ما يطرح تساؤلات حول آليات التنسيق داخل المعسكر الغربي نفسه.
وفي هذا السياق، يظهر فجوة بين ما تعتبره الولايات المتحدة ضرورة عاجلة لمواجهة التهديدات الإيرانية وبين الأولويات والسياسات الداخلية لحلفائها، الذين يوازنون بين التعاون مع واشنطن والحفاظ على مصالحهم الإقليمية والسياسية.
وفي المقابل، تراهن الإدارة الأميركية على أن المخاطر المرتبطة بالهجمات الإيرانية ووكلائها، مثل الهجمات على قواعد عسكرية أو تعطيل الملاحة في مضيق هرمز، قد تدفع الدول المترددة إلى إعادة النظر في مواقفها.
إذ ترى واشنطن أن الضغط الجماعي قد يكون أكثر فعالية من الإجراءات الأحادية في دفع طهران لتعديل سلوكها، خصوصا وأن النظام الإيراني يبدو أكثر حساسية تجاه التحركات الجماعية مقارنة بالإجراءات الفردية.
ويدخل هذا التحرك في سياق محاولة لإعادة رسم ملامح المواجهة مع إيران، من خلال نقل جزء من الصراع من الميدان العسكري إلى ساحة الضغط الدولي المنظم، بما يشمل الأدوات القانونية والمالية والدبلوماسية.
فالاستراتيجية الأميركية تركز على تقليل قدرة إيران على استخدام وكلائها كأدوات لإشعال النزاعات، وتعزيز مكانة واشنطن كمحرك للسياسة الدولية، في وقت يسعى فيه المجتمع الدولي للتعامل مع التهديدات الإقليمية المعقدة.
غير أن نجاح هذه الاستراتيجية سيظل مرهونا بمدى قدرة الولايات المتحدة على بناء توافق دولي مستدام، وتجاوز فجوات الثقة مع حلفائها، وضمان تجاوبهم مع الدعوات الأميركية دون أن يؤدي ذلك إلى تصعيد واسع.
وبينما تهدف واشنطن إلى الضغط على إيران، يظل الحلفاء منشغلين بالموازنة بين التزامهم مع واشنطن، وحماية مصالحهم السياسية والاقتصادية في المنطقة، مما يجعل من بناء إجماع عالمي تحديا مستمرا.
وتعكس هذه التحركات محاولة أميركية لتوسيع دائرة المواجهة مع إيران، عبر الجمع بين القوة الصلبة والدبلوماسية الاقتصادية والسياسية، مع الاستفادة من أدوات العزلة الدولية لتقليص نفوذ الحرس الثوري وحزب الله.
لكن التحدي الأكبر يبقى في مدى قدرة واشنطن على إقناع الحلفاء بالتعاون الفعّال، في وقت تتباين فيه الحسابات الوطنية والإقليمية، ويستمر النظام الإيراني في البحث عن ثغرات للضغط واستغلال الانقسامات الدولية.
وبالتالي، يمثل هذا التحرك الدبلوماسي جزءا من استراتيجية شاملة تسعى إلى مواجهة النفوذ الإيراني، لكن نجاحها يعتمد على توازن دقيق بين الضغط الجماعي، الاستعداد العسكري، والتوافق الدولي، في واحدة من أكثر المناطق حساسية وتعقيدا على الساحة العالمية اليوم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك