في سنوات السبعينات والثمانينات كان العديد من الشباب في الصحراء متأثرين بالإفكار الاشتراكية، ويشير أحمد الداه المكي ابن منطقة تيرس بإقليم أوسرد، والذي سبق له أن كان عضوا في ميليشيات البوليساريو، قبل أن يقرر العودة إلى الوطن، إلى أن انقلاب سنة 1978 في موريتانيا كان من العوامل التي ساهمت في تسهيل التحاق عدد أكبر من الشباب بالبوليساريو، موضحاً أن" الانقلابيين آنذاك أبدوا تعاطفا مع الجبهة، وهو ما فتح المجال أمام انتقال العديد من الشباب والعائلات إلى معسكرات البوليساريو في منطقة الحمادة قرب تندوف بالجنوب الجزائري خلال سنتي 1978 و1979"، وكان هو من بينهم.
وتحدث المكي في لقائه بيابلادي عن إرسال مجموعات من عناصر البوليساريو للتدريب العسكري في عدد من الدول التي كانت تدعم الجبهة في تلك الفترة، من بينها ليبيا وكوبا ويوغوسلافيا.
وأوضح أنه كان من بين الشباب الذين تلقوا تدريبا على الأسلحة المضادة للطائرات في يوغوسلافيا السابقة، مشيرا إلى أن التكوين داخل البوليساريو في تلك الفترة كان يركز بالكامل على الجانب العسكري، دون الاهتمام بتأهيل الشباب في مجالات مدنية أو صناعية أو تنموية.
وعن تفاصيل انتقاله إلى يوغوسلافيا سنة 1983، أوضح المكي أن الرحلة تمت في سرية تامة، إذ تم نقل المجموعة ليلا من المخيمات إلى تندوف، ثم إلى الجزائر العاصمة بواسطة حافلات تابعة للجيش الجزائري، قبل نقلهم إلى مطار عسكري.
وفي الصباح صعدوا إلى طائرة عسكرية مخصصة لنقل العتاد دون أن يتم إبلاغهم بالوجهة.
ولم يكتشفوا أنهم في يوغوسلافيا إلا بعد وصولهم إلى مطار بلغراد.
وقال" التدريب في يوغوسلافيا كان يتم بإشراف ضباط يوغوسلاف، غير أن بعض الدروس كانت تتضمن مضامين سياسية، من بينها انتقادات للنظام المغربي ولعدد من الدول، مقابل تقديم النظام الاشتراكي باعتباره النموذج الأفضل".
بعد انتهاء التدريب، عاد المكي إلى تندوف حيث تم توزيع العناصر المتدربة على وحدات ميليشيات البوليساريو، خصوصا في مجال الدفاع الجوي، نظرا لتفوق سلاح الجو المغربي في تلك المرحلة.
وقال إن العديد من المتدربين التحقوا بجبهات القتال، في حين كان بعضهم يعود أحيانا إلى مراكز التدريب لتدريب المقاتلين على استخدام الرشاشات والصواريخ المضادة للطائرات.
ويحكي أنه مع بداية الثمانينات بدأت ميليشيات البوليساريو تجد صعوبة كبيرة، وكانت تقف عاجزة أمام الجيش المغربي بسبب تأثير سياسة الأحزمة الدفاعية التي شرع المغرب في بنائها، معتبرا أنها شكلت تحولا مهما في ميزان القوى الميداني.
وأكد أن هذه السياسة ساهمت في إرباك تحركات البوليساريو وأثرت على خططها العسكرية، حيث أصبحت المعارك أكثر صعوبة.
وأوضح البوليساريو أصبحت مجبرة على" البحث عن نقطة ضعف في الحزام، أي ثغرة ما بين قاعدة وقاعدة.
وتأتي بألفي جندي بناقلاتهم مقابل 300 جندي مغربي، المعركة لم تعد تدوم اكثر من ساعتين وفي بعض الحالات تكون خسائر كبيرة لدى البوليساريو.
وعلى أي حال في كل الحروب لا يقاس النجاح بالفوز في معركة بل يقاس بالنجاح في الصراع".
وأكد الداه المكي أنه شارك في" معارك كثيرة وضارية ضد الجيش المغربي.
، حينما تعود بك الذاكرة ترى الموت والقصف.
، الحقيقة هي أن الحروب قذرة ومن يدعم الحروب أعتقد أنه ليس سليما.
، من عاش تجربة الحروب لن يعود إليها ابدا".
بداية المراجعات داخل المخيماتوأكد أن نهاية الثمانينات شكلت نقطة تحول داخل مخيمات البوليساريو، خاصة بعد انهيار المعسكر الشرقي وسقوط الاتحاد السوفيتي سنة 1988، إضافة إلى الاضطرابات التي شهدتها الجزائر في الفترة نفسها، وانتفاضة 1988 داخل مخيمات تندوف.
وأوضح أن هذه التطورات دفعت عددا من عناصر الجبهة إلى مراجعة مواقفهم، بعدما تبين لهم أن الشعارات المرفوعة لا تعكس بالضرورة الواقع داخل التنظيم، وأن الصراع كان مرتبطا أيضا بأجندات إقليمية ودولية.
وقال الداه أحمد المكي إن بداية التسعينات شهدت موجة عودة لعدد من عناصر البوليساريو إلى المغرب، استجابة للنداء الذي أطلقه الملك الراحل الحسن الثاني، مشيرا إلى أنه كان من بين العائدين خلال تلك الفترة.
وأضاف أن كثيرا ممن عاشوا تلك التجربة توصلوا لاحقا إلى قناعة بأن المشروع الذي انخرطوا لا علاقة له بالأهداف التي روجت لهم في البداية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك