قناة التليفزيون العربي - لماذا يختار نتنياهو التصعيد والوعيد بتكرار سيناريو غزة في جنوب لبنان في هذا التوقيت تحديدَا؟ الليوان - تعليق "طارق شو" على دراسة تقول إن المرأة تخجل أمام الرجل الوسيم روسيا اليوم - بوتين: مأساة فلسطين "نُسيت" لكنها لم تختفِ.. والحل الوحيد هو إقامة دولة فلسطينية مكتملة الأركان روسيا اليوم - العثور على مقبرة جماعية ثانية قرب مدينة قارة بريف دمشق قناة التليفزيون العربي - ما هو "الحل الوسط" الذي يتحدث الرئيس الروسي عن انفتاحه بشأنه بخصوص الحرب ضد أوكرانيا؟ العربي الجديد - فرنسا تدخل كأس العالم 2026 بسلاح النجوم وخبرة ديشان قناة القاهرة الإخبارية - بين القصف والاشتباكات.. النبطية ومحيط الشقيف في قلب التصعيد العسكري روسيا اليوم - مقتل ضابط إسرائيلي بصاروخ موجه أطلقه "حزب الله" في جنوب لبنان (صورة) روسيا اليوم - بوتين: "سو-57" أفضل طائرة مقاتلة في العالم قناه الحدث - مستشار خامنئي: المسودة الحالية لمذكرة التفاهم مع واشنطن غامضة
عامة

الضاحية الجنوبية... منزل الإنسان مملكته وسط الركام والبارود

العربي الجديد
العربي الجديد منذ شهرين
1

رغم القصف الإسرائيلي العنيف، ما تزال الضاحية الجنوبية لبيروت تؤوي عشرات الأسر التي فضلت البقاء تحت أسقف قد تنهار في أي لحظة ووسط شوارع خالية تلفّها رائحة البارود، عوض قهر النزوح وذلّه.تغريدةٌ واحدة ...

ملخص مرصد
رغم القصف الإسرائيلي العنيف، ما تزال الضاحية الجنوبية لبيروت تؤوي عشرات الأسر التي فضلت البقاء تحت أسقف قد تنهار في أي لحظة ووسط شوارع خالية تلفّها رائحة البارود، عوض قهر النزوح وذلّه.
  • تغريدة أفيخاي أدرعي أدت إلى نزوح مئات الآلاف من الضاحية الجنوبية
  • مئات الأسر قررت البقاء في منازلها رغم الخطر بسبب ارتفاع الإيجارات واكتظاظ مراكز الإيواء
  • الأسواق والمحال التجارية في الضاحية ما تزال مفتوحة رغم القصف المستمر
من: سكان الضاحية الجنوبية لبيروت أين: الضاحية الجنوبية لبيروت

رغم القصف الإسرائيلي العنيف، ما تزال الضاحية الجنوبية لبيروت تؤوي عشرات الأسر التي فضلت البقاء تحت أسقف قد تنهار في أي لحظة ووسط شوارع خالية تلفّها رائحة البارود، عوض قهر النزوح وذلّه.

تغريدةٌ واحدة نشرها المتحدث باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي أفيخاي أدرعي على موقع إكس في 5 مارس/آذار الجاري، كانت كفيلة بإفراغ الضاحية الجنوبية لبيروت من مئات آلاف السكان.

لم يكد ينشر تغريدته حتّى ازدحمت الطرقات المؤدية نحو العاصمة اللبنانية ونحو مختلف القرى والبلدات المجاورة في محافظة جبل لبنان.

سياراتٌ ودراجاتٌ نارية ومشاة عبروا لساعات في زحمة شوارع الضاحية الجنوبية يحاولون الفرار من نيرانٍ مرتقبة، مع العلم أن شوارع الضاحية بمعظمها ضيّقة ومكتظة.

لكن اللافت هذه المرة أنّ التحذير كان شاملاً، ويهدف إلى إفراغ الضاحية، بعد أن كانت التحذيرات الإسرائيلية سابقاً تشمل إخلاء مبانٍ محدّدة على الخرائط التي باتت ترافق حياة اللبنانيين في الفترة الأخيرة.

كثيرةٌ هي الروايات التي نُقِلَت عن الذين عانوا مرارة الهروب والتهجير، ووقفوا لساعاتٍ لا يعرفون أين يتّجهون، ولا يملكون أيّ تصوّر حول مكان استقرارهم أو نومهم.

فلا سقف ينتظرهم خارج حدود الضاحية سوى مراكز إيواء كانت قد امتلأت بأعداد النازحين من جنوب البلاد.

أما الشقق السكنيّة فقد صارت أسعار إيجارها، في أقلّ من 24 ساعة، توازي إيجار شقة في شارع" الشانزليزيه" في العاصمة الفرنسية.

لكن ربما لم ينقل أحدٌ روايات أولئك الذين لم يغادروا الضاحية الجنوبية، وقرّروا البقاء فيها على الرغم من رائحة البارود والموت التي باتت تلفّ شوارعها، وسط انعدام ما تبقّى من خدماتٍ تفتقر إليها المنطقة أساساً.

ليس الحديث هنا عن بضعة أشخاصٍ، بل عن مئات الأفراد الذين لم يجدوا أمامهم سوى سقف منزلهم الذي يؤويهم، علماً أنّه قد ينهار فوق رؤوسهم بأقلّ من ثانيةٍ من الزمن.

يتحدّر علي من جنوبي لبنان، حاله حال سكان الضاحية الذين لم يخرجوا من المنطقة.

فهو يقطن في حيّ الشياح الذي شمله تحذير الإخلاء الشامل.

ويقول لـ" العربي الجديد": " أينَ أذهب؟ هل أقصد مركز إيواءٍ، وأقف بين صفوف المنتظرين من أجل وجبة إفطار؟ أو أزاحم الناس على دخول دورة المياه؟ لا أريد ذلك، فمنزل الإنسان مملكته".

يستيقظ علي كلّ صباحٍ ويتّجه إلى دكانه في المنطقة، فهو يعلم أنّ كثيراً من سكان حيّ الشياح لم يغادروه أيضاً.

وهم في حاجة إلى شراء السلع والبضائع.

ليس بعيداً عن منزل علي، استهدف الطيران الإسرائيلي مبنى قرب ساحة الغبيري، فكان أن تغيّرت معالم الشارع، وتحطّم زجاج المنزل الذي يبيتُ فيه علي وحيداً.

يُكمل علي رواية قصّته، ويقول: " كنتُ أعيش مع والدي ووالدتي اللّذين انتقلا إلى منطقة الزيدانية في بيروت للمبيت في منزل ابنة عمتي.

لم أرافقهما، فالمنزل هناك صغيرٌ ولا يكاد يتّسع لابنة عمتي فاطمة وزوجها وولدَيهما.

وكيف لي أن أبحث عن منزلٍ للإيجار، ومدخولي الشهري لا يتجاوز 700 دولار أميركي من دكانٍ لا تتجاوز مساحته 20 متراً مربّعاً، بينما إيجار الغرفة في بيروت صار أكثر من 600 دولار، عدا عن الشروط القاسية للمالكين".

يُفضّل علي أن يقضيَ ليلته في المبنى الذي يقطن فيه، اعتقاداً منه أن المبنى لن يُستهدف كونه قديماً، ولا يضمّ أيّ مكاتب أو مراكز حزبيّة.

ويضيف: " هنا في الشياح، الأغلبيّة تؤيّد حركة أمل التابعة لرئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري، ولا وجود لحزب الله".

ويستدرك علي أنّ جيش الاحتلال يضرب بعض المباني السكنيّة لمجرّد الضغط على الحكومة اللبنانية وعلى بيئة حزب الله، ثمّ يقول: " يلي بدّو يصير يصير (ما سيحصل فليحصل).

ما من أحدٍ يعيش أكثر من عمره ثانية واحدة".

بعيداً عن منطقة الشياح، وعلى المقلب الآخر من الضاحية الجنوبية، يقع حيّ السلم، وهو حيّ عشوائي شهير.

وعلى عكس الشياح، فإنّ أكثر قاطني حيّ السلم من المتحدرين من مناطق البقاع الشمالي شرقي لبنان (بعلبك – الهرمل).

كلّ المناطق المحيطة به والمؤدية إليه كانت عرضةً لحمم القنابل الإسرائيلية، سواء في حيّ المريجة أو شوارع منطقة الحدث التي لا تبعد سوى مئات الأمتار عن حيّ السلم.

في قلب ذلك الحيّ المزدحم والشوارع الضيقة التي تعبرها السيارة بصعوبةٍ، ما تزال عشرات العائلات تعيش في منازل شُيّدَ أكثرها بطرقٍ عشوائية تفتقر إلى الهندسة، وعلى أراضٍ خالية إمّا تعود مُلكيّتها للدولة وإمّا لأشخاصٍ نسوا أمرها.

في أحد هذه المنازل تعيش بتول رفقة أبنائها الثلاثة في شقة هي عبارة عن غرفة معيشة وغرفة نومٍ ومطبخٍ لا يتّسع لشخصين.

نظرةٌ تجاه سقف المنزل الذي غزته الرطوبة وآثار تسرّب مياه الأمطار، كفيلةٌ بأن يُدرك المرء الحالة المادية لبتول.

تحدّثنا وهي تحمل طفلتها التي لم تُنهِ عامها الأول في هذه الحياة، بينما يلهو ولداها محمد (6 أعوام) وحسن (4 أعوام) بكرةٍ مطاطية يركلانها تجاه الحائط، بديلاً عن مرمى كرة القدم.

ترتدّ بتول وترتعب عند كلّ اصطدام أو صوت، ظنّاً أنّ غارةً نُفِّذت على الضاحية، وهي التي توفي زوجها قبل أربعة أشهر بعد معركةٍ مع مرضٍ عضال، وترك خلفه عائلته بعدما كان يعمل في ملحمة لا تبعد كثيراً عن منزله.

وتقول لـ" العربي الجديد" إنّها كذلك وحيدة والدَيها اللّذين توفّيا منذ أكثر من عشرة أعوام، وتضيف: " لا أملك سيارة، وكان زوجي يمتلك دراجة نارية بعتها بعد وفاته مقابل 400 دولار، كوني لا أُجيد قيادتها، ولا وجهة لديّ أقصدها أساساً.

في ذلك اليوم، بعد الإنذار الإسرائيلي بإخلاء الضاحية لم أجد مكاناً ألجأ إليه، أو سيارة تقلّني خارج الضاحية.

لذلك، ما زلتُ ألازم المنزل وأصبر، فلا خيار آخر لديّ.

لا أريد لأطفالي أن يذوقوا مرارة التهجير الذي عشته خلال الحرب الإسرائيلية في يوليو/تموز 2006.

كما أننا لم نغادر الضاحية في الحرب الأخيرة عام 2024 التي استمرّت 66 يوماً، ولن أغادرها اليوم".

تتّكل بتول على تجربة العام 2024، إذ إنّ سماع صوت ثلاثة أو أربعة انفجارات في الليلة الواحدة ليس مصيبةً، على حدّ تعبيرها.

بينما المصيبة، بحسب ما ترى، هي في خروجها من منزلها من دون مالٍ إلى وجهةٍ مجهولة برفقة أطفالها، وتختم بالقول: " لنا الله، عشرات العائلات لم تغادر حيّ السلم، ولستُ أفضل منهم".

لم تُخطئ بتول التوصيف، فالمنطقة ما تزال تؤوي عشرات العائلات، ومحالها لم تُقفل بالكامل، أسوةً بمناطق أخرى في قلب الضاحية، مثل بئر العبد أو الجاموس أو شارع بعجور وغيرها.

تلك المناطق تحوّلت إلى شوارع خالية ومحالّ مُقفلة، وقد اجتاحت حجارة المباني المستهدفة شوارعها، تلفّها رائحة البارود والحرائق من كلّ حدب وصوب.

لكن في قلب تلك الأحياء تجد عدداً أقلّ بكثير، وما زال بعض الشبّان يتجولون في شوارعها على متن دراجاتهم النارية.

حسن (23 عاماً) هو واحدٌ من هؤلاء.

حكاية حسن تختلف عن علي وبتول.

عائلته استأجرت منزلاً في منطقة عاليه في جبل لبنان، ولا ينقصه شيء من الخدمات.

السبب الذي دفع حسن إلى البقاء في الضاحية غريبٌ للغاية، فهو مزيجٌ بين النُّبل والجنون.

لم يغادر حسن منطقة بئر العبد التي تعرّضت أخيراً لغاراتٍ استهدفت مقرّ مؤسسة القرض الحسن ومباني محيطة، وخلّفت دماراً واسعاً.

بقي حسن فقط ليطمئنّ أنّ أحداً لن يدخل المباني بدافع السرقة كما يحصل عادةً في حروبٍ مماثلة، إذ لا تخلو المناطق من سارقين يجوبون الأحياء ويحملون ما خفّ وزنه من مسروقات.

يقول حسن لـ" العربي الجديد" إنّه يقضي ليلته وهو يتجوّل على دراجته النارية برفقة أحد أصدقائه، وهما يحملان مسدّسين تحسّباً لأيّ مواجهة مع سارقين.

يؤكّد حسن أنّه" لم يحظَ" بعد بأيّ سارقٍ، لكنّ أهالي أحياء أخرى في الضاحية، وتحديداً في محيط منطقة الحدث أوقفوا قبل أيامٍ سارقَين يجوبان شوارع المنطقة على متن سيارة، ويدخلان المنازل التي خُلعت أبوابها نتيجة عصف الانفجارات والقصف، بحيث سرقا شاشات تلفزة وأجهزة إلكترونيّة ومقتنيات أخرى.

" القوى الأمنيّة غادرت المنطقة، وكذلك مخافر الشرطة التي تقع ضمن نطاق التحذيرات"، بحسب قول حسن الذي يرى أنّ واجبه الأخلاقي يفرض عليه أن يبقى لحماية أرزاق أهله وجيرانه والمحال التي تطايرت أبوابها بعد الغارات الأخيرة على منطقة بئر العبد.

يؤكد حسن أنّه لا يخشى الغارات، وأنّه فعل الأمر نفسه في جولة الـ66 يوماً من الحرب الإسرائيلية السابقة منذ عامين، إذ استطاع رفقة صديقه أن يضبطا سارقاً من الجنسية اللبنانية وهو يحمل جهاز ميكروويف ويهمّ بالخروج من أحد مباني المنطقة نحو سيارة ركنها عند مدخل المبنى، كانت مليئة بالمسروقات.

أمّا على طول الخط المؤدي إلى منطقة الطيونة، فتجد عشرات المحال المفتوحة التي لم تُغلق أبوابها منذ تجدّد العدوان الإسرائيلي، إلا لساعاتٍ قليلة.

ذلك لأنّ عشرات العائلات من منطقة الشياح لا تزال موجودة هناك.

يملك أحمد محلّاً لتصليح السيارات على طريق صيدا القديمة، ويقول لـ" العربي الجديد": " لم أُغلق محلي منذ بداية الحرب إلا عندما يصدر تحذير إسرائيلي يتعلق بالمنطقة، فأستقلّ عندها دراجتي النارية وأغادر نحو منطقة الطيونة، أنتظر انتهاء الغارات، ومن ثمّ أعود إلى المحلّ".

يذكر أحمد لحظة إطلاق الصواريخ من لبنان باتجاه فلسطين المحتلة فجر 2 مارس الجاري، ويقول: " حينها رنّ هاتفي بشكل متواصل من قبل الزبائن، فقد أُصيبوا بحالة هلع، وأرادوا تسلّم سياراتهم، ففتحتُ أبواب المحل يومها عند السادسة صباحاً، وسلّمتهم السيارات".

ويؤكد أحمد أنّ مغادرة المرء لمسكنه أو محله ليست سهلة، مشيراً إلى أنّ الايجارات مرتفعة بشكل كبير، ومن الصعب أن يتمكن من إيجاد أي محل آخر في الوقت الراهن، لذلك يحاول دائماً أن يُنهي العدد الأكبر من تصليح السيارات خلال ساعات الصباح، وما إن يصدر أي تحذير إسرائيلي، يغادر المنطقة رفقة جيرانه، على أن يعود بعد ذلك.

ويتابع: " كلّ المحال والمتاجر التي لم تقفل أبوابها هنا، يشعر أصحابها يوميّاً أنّهم يلعبون مع الموت، لكنّنا مجبرون على البقاء، لأنّنا لم نتجاوز بعد معاناة الحرب السابقة طيلة 66 يوماً.

لذلك، نفضّل اليوم البقاء هنا والمغادرة قليلاً".

ويضيف أحمد: " كنتُ أشتري البضائع من الضاحية الجنوبية، لكن بعض المحال أقفلت بالكامل، اليوم أتوجه إلى منطقة برج حمود والدورة في شرق بيروت لشراء قطع السيارات.

ربما أُجبر لاحقاً على ترك المنطقة بشكل كليّ، لكن حالياً أحاول قدر المستطاع أن أتابع عملي".

كثيرةٌ هي الحكايات في الضاحية الجنوبية لبيروت.

تلك المنطقة التي كان يُقدّر عدد سكانها قبل التهجير القسري بين 600 و800 ألف نسمة بحسب وكالة فرانس برس، إلا أنّ ما يجمع أصحاب هذه الحكايات هو صعوبة النزوح والعيش تحت سقفٍ غريب أو ضمن مركزٍ يعجّ بالنازحين أو حتى افتراش شارعٍ أو ساحة عامّة في أرجاء بيروت.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك