لم تكن أياماً كبقية الأيام، مرت مسرعة، كأعمار قصيرة وإن طالت.
والآن ليس لنا إلا أن نودع هذا الشهر الكريم، ونستقبل العيد الذي يهل علينا وسط تصاعد درامي حربي، ربما ينافس أكثر المسلسلات إثارة وحزناً وتشويقاً.
طوال الشهر الفضيل، شاهدت كما شاهد الغالبية العظمى من المصريين، موسماً درامياً رمضانياً جيداً، يجوز أنه أكثر جودة من الأعوام السابقة، وكتبت، كما كتب زملائي، عن أعمال سواء وجدت أنها جيدة، أو اختلفت معها في الطرح، وليعلم الجميع، والله خير الشاهدين، أن ما كُتب من سطور طوال هذا الشهر الفضيل إنما كان نتيجة رأي شخصي لم يحاول أحد توجيهه أو التأثير عليه لفرض وجهة نظر أو اختيار.
العام الحالي يعد أفضل من الأعوام السابقة، من حيث اختيار الموضوعات التي تمس صلب المجتمع المصري، وتلقي الضوء على قضايا الأحوال الشخصية: «كان ياما كان، وأب ولكن»، وقضية التلاعب بالحسابات البنكية، كما شاهدنا في مسلسل «حد أقصى»، وحوادث لشخصيات حقيقية تحولت إلى أعمال درامية مثل «مناعة، ونرجس»، وقصة حب وفراق يعج بها المجتمع مثل «اتنين غيرنا»، ومسلسلات توثق أحداثاً حقيقية مثل مسلسل «رأس الأفعى»، و«صحاب الأرض»، كلاهما وثيقة درامية مصرية تعيش عشرات السنين، وشاهدنا الدراما بين الصعيد والحضر، كما في مسلسل «بيبو»، الذي أظهر الطيبين في الحارة المصرية، وأثبت أن الحارات لم تخلُ أبداً من ناسها الطيبين، بعيداً عن أعمال البلطجة والأسلحة البيضاء والبطل الخارق، علاوة على مسلسل أشبه بالميلودراما «علي كلاي».
كان الموسم الحالي شاهداً على التنوع، لكن التنوع كان ينقصه مسلسل ديني، وآخر علمي، وآخر لقصة نجاح، لمثل يحتذى به، لهذا سعدت عندما أعلنت شركة الإنتاج «سعدي وجوهر» عن مسلسل الدكتور مصطفى محمود للعام القادم، وهو المشروع الذي كان معطلاً منذ سنوات ولم يخرج للنور.
الموسم الدرامي المصري لهذا العام أعلن بوضوح انتهاء عصر الدراما «المهجنة»، التي تعتمد على استيراد موضوعات وسرقة أفكار لا تتناسب مع المجتمع وسماته وشخصياته، فجاءت الغالبية العظمى من المسلسلات مصرية النكهة، لا تشوبها شبهة الاقتباس أو النقل، وهو أمر في غاية الأهمية، ففي النهاية أنت تعبر عن ثقافتك بصناعة عريقة تصدرت الشاشات، ولا تزال، من المحيط إلى الخليج، رغم محاولات ضربها عشرات المرات والاستغناء عنها، أو تقليدها، أو عمل نسخ مصرية بإنتاج غير مصري، لتشويه المجتمع وعمل صورة ذهنية جديدة للأجيال القادمة، تؤكد أن الشخصية المصرية ساقطة ومنحرفة، تمارس السرقة والبلطجة والبغاء.
لذا أرى أن الموسم الحالي، بقدر ما تم إنجازه فيه، استطاع أن يغسل سمعة الشخصية المصرية من أوساخ لصقت بها في أعمال أُنتجت خصيصاً لهذا الغرض على مدار السنوات الخمس السابقة، ليعلن الموسم عن قدر من التعافي والاستشفاء وأننا في الطريق إلى عصر ذهبي جديد لهذه الصناعة العريقة.
ولأن النجاح ليس سهلاً، والحفاظ عليه أكثر صعوبة، لا بد أن يكون الاهتمام بالكاتب وتنميته وتأهيله، في عصر لم يعد فيه المؤلف نجماً، مثل عصور سابقة ضمت أسماء مثل أسامة أنور عكاشة ومحسن زايد ومحمد جلال عبدالقوي ويسرى الجندي ومحمد صفاء عامر ومصطفى محرم، بلد مثل مصر الكاتب فيه هو ضمير أمته، والمعلوم أن أمة بلا كاتب هي أمة بلا ضمير، فلندعم الكتّاب ونبحث عن المواهب، وندعم الكتابة الفردية لإنتاج المواهب كما ندعم الورش التي أنتجت أعمالاً متسرعة بعض الشىء، إلا من رحم ربي.
فازت الدراما المصرية هذا العام، بعودة موسيقار في حجم القدير ياسر عبدالرحمن، وبنجمات مثل روجينا وريهام عبدالغفور ومنة شلبى ودينا الشربينى، ونجوم مثل ماجد الكدوانى وباسم سمرة وخالد الصاوى وشريف منير وآسر ياسين وحمزة العيلي وعصام عمر وأحمد بحر، أغلبهم أكد استحقاقه لأدوار البطولة، فيما لم يفز محمد عادل إمام الذي عليه أن يعيد حساباته في الموسم القادم، أو لعله يحصل على راحة يستعد فيها للعودة بشكل أفضل.
ولأن الدراما المصرية صناعة كبيرة، اجتهد فيها الجميع، كلٌ أراد أن يخرج أعماله في أفضل وأبهى صورها، لذا فلا يجوز محاكمة صناعها لأنهم قدموا أفضل ما لديهم، فالتحية لكل من شارك وبذل جهداً، وقدّم كل ما لديه من جهد، من كتّاب ومخرجين وممثلين وصناع موسيقى وشركات الإنتاج.
استمروا.
الدراما المصرية تستحق ذلك.
وأكثر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك