عمان- بلمح البرق، تمسح رنا دموعها قبل أن يراها أحد من زملائها، فتأخذ نفسا عميقا، وتعيد ترتيب ملامحها أمام المرآة، حتى أنها ترسم ابتسامتها المعهودة على وجهها، وتعود إلى مكتبها.
اضافة اعلانتمسك هاتفها لترد على رسالة جديدة مليئة بالشكوى والهم، وتكتب كلمات المواساة بعناية، وترسل قلبا وجملة مطمئنة، وتعد بأنها" موجودة دائما".
وفي اللحظة ذاتها، تلتفت إلى زميلتها التي تبدو أنها متوترة، فتطلب لها فنجان قهوة وقطعة الشوكولاته التي تفضلها حتى تغير لها مزاجها، وبالفعل تغير وباتت تسمع ضحكاتها من جديد.
تؤكد رنا أن هذا المشهد وهذا الدور يتكرر بشكل أو بآخر يوميا ومع جميع معارفها وأقربائها، حتى أن جملة" أنتِ ملجأ" يصفها الجميع بها.
وتقول" أشعر بالتعب، فالجميع يحسب أني قوية، وأني بيت الراحة لهم، وأنا لا أعلم أين راحتي، ولمن ألجأ حينما أشعر بالألم والكآبة".
أناس كثيرون لا يعبرون عن أنفسهم حتى يظهروا بمشهد القوة، لا يشتكون لأحد، ولا يظهرون ضعفهم من قبل، وفي الوقت ذاته يعانون من التوتر والإرهاق.
مختصون في علم النفس تداولوا مؤخرا ما يسمى بـ" العبء العاطفي"، وهو ما تشعر به رنا وغيرها، إذ لا يبدأ التعب من الجسد، بل من الداخل، من فكرة صغيرة نؤجل قولها، من دمعة نخبئها، من هم تقرر أن تحمله وحدك كي لا تزعج أحدا.
من جانبها، تبين المرشدة النفسية والتربوية رائدة الكيلاني، أن العبء العاطفي يبدأ بهدوء، بلا ضجيج، وبلا علامات واضحة، يكبر مع الشخص يوما بعد آخر، بينما يظل يؤكد للآخرين أنه بخير.
سارة (29 عاما)، تعمل معلمة وتعيش مع أسرتها في بيتها، فهي" العاقلة" و" الهادئة" التي تحتوي الجميع، خصوصا مع عائلتها، والديها وإخوتها.
تقول: " تعودت أن أكون السند، لكن لا أشعر أن لي سندا أتكئ عليه حينما أشعر بالتعب".
لم تكن سارة تشعر أنها تضحي، إذ كانت تظن أن هذا هو الحب، وأن هذا هو الواجب، إلى أن بدأت تشعر بإرهاق لا يزول، بحزن بلا سبب واضح، وبثقل دائم في صدرها.
العبء العاطفي لا يعني أن الشخص ضعيف، بل غالبا العكس، يعني أنه قوي أكثر من اللازم، وأنه الشخص الذي يعتمد عليه الجميع، الذي لا ينهار، والذي يؤجل وجعه دائما.
وبدوره، يشرح اختصاصي علم الاجتماع الدكتور حسين الخزاعي، أن العبء العاطفي يرتبط بثقافة اجتماعية تمجد الصمت والتحمل، ويقول" في مجتمعاتنا، يكافأ الشخص الذي يصبر، الذي لا يشتكي، الذي يتحمل فوق طاقته، وينظر إليه كقدوة، بينما قد يهمش من يعبر عن تعبه.
مع الوقت يتعلم الإنسان أن إخفاء ألمه هو الطريقة الوحيدة للاستمرار".
ومن الناحية النفسية، تشير الكيلاني إلى أن كثيرا ممن يحملون عبئا عاطفيا نشأوا في بيئات لم تسمح لهم بالتعبير، فكبروا وهم يسمعون" لا تبكِ، لا تكبر الموضوع، غيرك أسوأ.
تحمل"، حتى تكونت لديهم قناعة أن مشاعرهم عبء على الآخرين، لذلك يكبتون، ويتجاهلون أنفسهم، ويضعون احتياجات غيرهم دائما في المرتبة الأولى.
في العلاقات يظهر العبء العاطفي بشكل واضح، فهناك دائما شخص يسمع أكثر مما يتكلم، ويحتوي أكثر مما يتم احتواؤه، ويسأل أكثر مما يسأل عنه، ويطمئن أكثر، ويكون موجودا وقت الضيق، لكن حين يتعب، يختفي بصمت.
ليث حالة أخرى، ملجأ لأصدقائه، فيبين أن أصدقاءه اعتادوا الاتصال به وقت مشاكلهم.
فيقول" كنت مستمعا جيدا، دائما موجود، لكن عندما تعرضت لأزمة، اكتشفت أني لا أستطيع الشكوى، ولم أجد من يسأل عن حالي، فأنا دائما أظهر القوي الذي لا يهتز ولا يتأثر، وأن مزاجي ثابت في أغلب الوقت".
ويقول خزاعي" إن العبء العاطفي له أشكال، ففي العمل يتخذ شكلا آخر، فالموظف الذي يتحمل ضغط الفريق كله، والذي لا يقول لا، والذي يغطي أخطاء غيره، ويخاف أن يصنف كـ" ضعيف"، يعود إلى بيته مستنزفا بلا طاقة، وبلا رغبة في الكلام".
وتبين الكيلاني أن الخطر في العبء العاطفي أنه لا يظهر فجأة، إذ يتراكم ببطء، ويتحول إلى تعب مزمن، وعصبية غير مبررة، وفقدان شغف، ورغبة في العزلة، أو شعور دائم بالفراغ.
وكثيرون لا يدركون أنهم منهكون نفسيا، لأنهم لم يتعلموا التعبير واللجوء للآخر.
وتؤكد أن أخطر ما في هذا العبء هو أن صاحبه يعتاده، فيصبح التعب جزءا من هويته، مقنعا ذاته" أنا هكذا.
أنا قوي.
أنا أتحمل"، بينما هو في الحقيقة يحترق من الداخل.
ويتفق خزاعي أن هذه الظاهرة تعكس خللا في مفهوم الدعم، قائلا: " نحن نطلب من بعضنا بعضا أن نكون متماسكين دائما، فنحب صورة الإنسان القوي، لكننا نخاف من الإنسان الصادق مع ضعفه".
وبحسب ما يقول، فإن حمل العبء العاطفي لا يعني أنك مخطئ، بل يعني فقط أنك إنسان لم يعط فرصة كافية ليكون ضعيفا، ولم يمنح إذنا داخليا ليقول" تعبت".
ويشير خزاعي إلى أن التخفيف من هذا العبء لا يبدأ بتغيير الآخرين، بل بالاعتراف بالنفس، وأن يسمح لنفسه أن يتكلم، وأن يقول لا أحيانا، وأن يطلب دعما من دون الشعور بالذنب، وأن يفهم أن راحته ليست أنانية بل ضرورة.
وأخيرا، يؤكد أن بعض الناس لا يحتاجون إلى نصائح، ولا محاضرات، ولا تحفيز، بل يحتاجون فقط لأن يسألونه بصدق" كيف أنت؟ "، ويسمح لهم أن يجيبوا بصدق وبلا تزييف.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك