مع بداية الحرب الامريكية الاسرائيلية الايرانية وقف بنيامين نتن ياهو بزهوٍ لم يعهده من قبل، ليعلن للعالم أن" إسرائيل أقوى من أي وقت مضى"، متعهداً برسم خارطة جديدة للشرق الأوسط على وقع أزيز الطائرات فوق طهران.
لكن، وبينما تتحدث تل أبيب عن" تغيير وجه المنطقة"، يبقى السؤال المعلق: هل ما نشهده هو ميلاد إقليمي جديد تحت الهيمنة الإسرائيلية، أم أنه الهروب الكبير إلى الأمام لإخفاء تصدعات الداخل التي لا تداويها لغة الرصاص؟ " ومن هنا لابد من تحليل لهذه الفترة من تاريخ اسرائيل.
تعد المرحلة الراهنة التي تمر بها إسرائيل زلزالاً جيوسياسياً واقتصادياً يضرب أسس النموذج الذي قامت عليه الدولة منذ عام ثمانية وأربعين.
فالدراسة التحليلية المعمقة لمسار الحروب الإسرائيلية تكشف أن الصراع الحالي لا يشبه في تداعياته حرب أكتوبر عام ثلاثة وسبعين أو الانتفاضات الفلسطينية السابقة، بل هو تحول بنيوي أعاد صياغة مفهوم الخوف في الوجدان الجمعي الإسرائيلي.
لأول مرة منذ عقود، يجد المواطن الإسرائيلي نفسه في مواجهة حقيقة أن العمق الجغرافي الذي كان يسمى الجدار الحديدي قد تآكل تماماً أمام صواريخ دقيقة وطائرات مسيرة انتحارية تضرب تل أبيب وحيفا ومنشآت الغاز والطاقة بانتظام، مما أدى إلى انهيار السردية التاريخية التي روجت لإسرائيل بوصفها الملاذ الآمن الوحيد لليهود في العالم.
اقتصادياً، تعاني إسرائيل حالياً من نزيف مالي غير مسبوق في تاريخها، حيث تشير البيانات والتقديرات الرسمية إلى أن تكلفة الحرب الإجمالية قد تتجاوز مائة وعشرين مليار دولار في المدى المنظور، وهو رقم يمثل عبئاً هائلاً على الميزانية العامة التي كانت تعتمد على استقرار قطاع التكنولوجيا الفائقة والسياحة.
الفجوة الاقتصادية اليوم تظهر في تراجع التصنيف الائتماني لإسرائيل من قبل كبرى الوكالات العالمية مثل موديز وستاندرد آند بورز لعدة مرات متتالية، وهو أمر لم يحدث في أعتى الحروب السابقة.
هذا التراجع يعكس فقدان الثقة في قدرة الاقتصاد الإسرائيلي على التعافي السريع في ظل حرب استنزاف طويلة الأمد.
كما أن توقف النشاط الاقتصادي في مناطق الشمال والجنوب، وتحول أكثر من مائتي ألف إسرائيلي إلى نازحين داخل دولتهم، خلق عبئاً لوجستياً ومالياً أدى إلى ارتفاع معدلات التضخم وزيادة الضرائب، مما وضع الطبقة الوسطى أمام ضغوط معيشية خانقة لم يعتادوا عليها.
إن أخطر التداعيات الاقتصادية تكمن في قطاع الابتكار والشركات الناشئة (الهايتك)، وهو المحرك الذي يمثل نحو 18% من الناتج المحلي الإجمالي وأكثر من 50% من الصادرات الإسرائيلية.
لقد سجلت الاستثمارات في هذا القطاع الحيوي هبوطاً حاداً بنسبة تجاوزت 40% مقارنة بالسنوات السابقة، حيث فرت رؤوس الأموال الأجنبية بحثاً عن بيئات أكثر استقراراً.
فالمستثمر الذي كان يرى في تل أبيب سيليكون فالي الشرق الأوسط، أصبح يرى اليوم مدينة مهددة بالمسيرات وقوانين طوارئ تؤدي إلى استدعاء الموظفين للخدمة الاحتياطية لفترات طويلة، مما عطل سلاسل الإنتاج وأفقد الشركات قدرتها التنافسية عالمياً.
تراجع هذه الاستثمارات يعني تجفيف منابع النمو المستقبلي وتآكل الفائض الضريبي الذي كانت تعتمد عليه الدولة لتمويل آلتها العسكرية، مما وضع الاقتصاد في حلقة مفرغة من العجز والديون.
أما على الصعيد النفسي والديموغرافي، فإن فكرة أرض المعاد تعرضت لضربة قاصمة.
فإسرائيل التي قامت على فكرة جلب اليهود من الشتات لتوفير الأمن لهم، باتت اليوم تسجل معدلات مرتفعة ومرعبة في الهجرة العكسية.
تشير التقارير الإحصائية المستندة إلى بيانات سلطة السكان والهجرة إلى أن أكثر من 550 ألف إسرائيلي غادروا البلاد منذ بدء الحرب الحالية دون عودة مؤكدة، والعديد منهم من النخبة العلمية وحملة الشهادات العليا والأطباء والمهندسين.
هذا الهروب الجماعي للعقول (Brain Drain) يمثل تهديداً وجودياً طويل الأمد، حيث يعكس قناعة متزايدة بأن الدولة لم تعد قادرة على ضمان الحق الأساسي في الحياة لمواطنيها، وأن التفوق العسكري لم يعد كافياً لصد التهديدات التي تصل إلى قلب المراكز الحضرية.
بالانتقال إلى المشهد العسكري والسياسي، نجد أن إسرائيل تورطت في استراتيجية تعدد الجبهات التي طالما حاولت تجنبها.
فالدخول في مواجهات طاحنة مع حماس في غزة، وبالتزامن مع حرب استنزاف قاسية مع حزب الله في الشمال، ثم الانتقال لمواجهة مباشرة ومكشوفة مع إيران عبر تبادل الضربات الصاروخية، جعل الجيش الإسرائيلي في حالة إرهاق لوجستي وبشري غير مسبوقة.
إن أحداث حرب الـ اثني عشر يوماً السابقة وما تلاها من صراعات إقليمية، أثبتت أن سياسة القوة المفرطة لم تعد تجلب الهدوء، بل تفتح أبواباً جديدة من التهديد.
وهنا يبرز دور بنيامين نتنياهو بوضوح، حيث يرى خصومه وحلفاؤه على حد سواء أنه المهندس الحقيقي لهذا المسار التصادمي.
لقد عمل نتنياهو بكل قوته على جر الولايات المتحدة الأمريكية إلى هذه الصراعات، محاولاً تصوير الحرب بأنها صراع وجودي بين الحضارة والبربرية لضمان استمرار التدفق العسكري والمالي الأمريكي.
والهدف من ذلك هو خلق واقع إقليمي جديد يخدم بقاءه في السلطة ويهرب به من استحقاقات القضاء الداخلي التي تلاحقه بتهم الفساد.
هذه السياسة لم تؤدِ فقط إلى تدمير البنية التحتية في غزة ولبنان، بل أدت إلى عزل إسرائيل دولياً بشكل غير مسبوق، حيث بدأت الأصوات تتعالى في واشنطن والعواصم الأوروبية للمطالبة بوقف تصدير الأسلحة وفرض عقوبات، مما يضع إسرائيل في وضع الدولة المنبوذة لأول مرة في تاريخها.
إن الانقسام الداخلي الذي غذته سياسات نتنياهو قبل الحرب، وتحديداً حول التعديلات القضائية، أضعف الجبهة الداخلية وجعلها أقل قدرة على تحمل تبعات الحرب الطويلة.
والآن، ومع وصول الصواريخ والمسيرات إلى تل أبيب والقدس وقيسارية، بات الإسرائيليون يتساءلون عن جدوى الاستمرار في دفع هذا الثمن الباهظ من أجل طموحات سياسية لشخص واحد.
الفجوة بين ما تروجه الحكومة عن النصر المطلق وبين الواقع المرير على الأرض من دمار اقتصادي وقتلى وجرحى وفقدان للأمن الشخصي، أصبحت تتسع لدرجة لا يمكن ردمها بالخطابات السياسية.
في الختام، تعيش إسرائيل اليوم لحظة الحقيقة الوجودية؛ حيث أثبتت الوقائع أن القوة العسكرية مهما بلغت عظمتها لا يمكنها حماية دولة تعيش في محيط معادٍ دون حلول سياسية عادلة.
إن نتنياهو بسياساته اليمينية المتطرفة جر البلاد إلى نفق مظلم فقدت فيه إسرائيل ميزتها كأرض آمنة، وتحولت إلى ساحة حرب مفتوحة تستنزف مواردها وبشرها.
التاريخ سيسجل أن هذه الحقبة كانت بداية التصدع الكبير في المشروع الصهيوني، حيث أصبحت الهجرة العكسية والانهيار الاقتصادي وتراجع الاستثمارات العالمية هي العنوان الأبرز لفشل رؤية الأمن مقابل القوة، مما يضع مستقبل إسرائيل أمام تساؤلات كبرى حول البقاء والاستمرار في ظل هذا المسار المسدود.
وفي الختام، تعيش إسرائيل اليوم لحظة الحقيقة الوجودية؛ حيث أثبتت الوقائع أن القوة العسكرية مهما بلغت عظمتها لا يمكنها حماية دولة تعيش في محيط معادٍ دون حلول سياسية عادلة.
إن نتنياهو بسياساته اليمينية المتطرفة جر البلاد إلى نفق مظلم فقدت فيه إسرائيل ميزتها كأرض آمنة، وتحولت إلى ساحة حرب مفتوحة تستنزف مواردها وبشرها.
التاريخ سيسجل أن هذه الحقبة كانت بداية التصدع الكبير في المشروع الصهيوني، حيث أصبحت الهجرة العكسية والانهيار الاقتصادي وتراجع الاستثمارات العالمية هي العنوان الأبرز لفشل رؤية الأمن مقابل القوة، مما يضع مستقبل إسرائيل أمام تساؤلات كبرى حول البقاء والاستمرار في ظل هذا المسار المسدود، لتصبح الحقيقة الماثلة الآن هي: إسرائيل في مهب العاصفة.
انكسار أسطورة الأمن وانهيار سردية أرض الميعاد في عهد نتنياهو.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك