في الصباح الباكر، وقبل أن تكتمل حركة الشوارع في الإسكندرية، تبدأ الأسواق الشعبية في الاستيقاظ على إيقاع مختلف، صناديق خشبية تُفتح، ثلج يُفرش بعناية، وأجساد فضية وذهبية لأسماك الرنجة والفسيخ والسردين مصطفة في هدوء، قبل أن تتدخل الأيدي، والأصوات، والروائح.
هنا، لا تحتاج إلى لافتة تشير إلى اقتراب عيد الفطر.
الرائحة وحدها تقوم بالمهمة.
رائحة حادة، نافذة، ومألوفة، تسبق الزحام بدقائق، وتعلن عن موسم استثنائي يعود كل عام، حاملًا معه سؤالًا قديمًا يتجدد:لماذا يصرّ المصريون على الاحتفاء بالعيد عبر هذه النكهة القاسية؟ذاكرة الملوحة حين يتحول الطعام إلى طقسفي مصر، لا تُقاس الأعياد بعدد أيامها، بل بما تحمله من طقوس.
وبين الكعك والزيارات العائلية، تحتفظ الرنجة والفسيخ والسردين بمكانة خاصة، تبدو للوهلة الأولى متناقضة مع بهجة العيد، لكنها في الحقيقة جزء أصيل منها.
هذا التناقض الظاهري بين طعم مالح حاد واحتفال يفترض أن يكون حلوًا هو ما يمنح هذه العادة قوتها.
فهي لا ترتبط بالمذاق فقط، بل بالاستمرارية.
جيل بعد جيل، تنتقل العادة كما هي، دون تعديل يُذكر، وكأنها واحدة من العلامات القليلة التي نجت من تغيّرات الزمن.
في الإسكندرية تحديدًا، حيث البحر حاضر في الخلفية دائمًا، يصبح هذا الطقس أكثر من مجرد تقليد، بل امتدادًا لعلاقة يومية بين الإنسان والماء، بين المدينة وما تمنحه لها الطبيعة.
مع اقتراب الظهيرة، يتحول السوق إلى كتلة واحدة من الحركة.
لا مسارات واضحة، ولا إيقاع ثابت.
أجساد تتحرك في كل اتجاه، أصوات تتداخل، وأيدٍ تشير وتفاصل وتسأل.
الباعة يقفون خلف بضاعتهم بثقة، يقطعون الصمت بجمل قصيرة:الزبائن لا يردون بسرعة.
ينظرون أولًا، يقتربون، يشمون، يقارنون، ثم يبدأ الحوار.
عملية الشراء هنا ليست سريعة، بل أشبه بطقس تفاوضي، يحتاج إلى صبر، وخبرة، وحدس.
خريطة الأسعار حسابات العيدداخل هذا الزحام، تتشكل خريطة غير معلنة للأسعار.
الرنجة، الأكثر حضورًا، تتراوح بين 80 و170 جنيهًا، وفقًا للحجم والجودة.
الفروق قد تبدو بسيطة على الورق، لكنها حاسمة بالنسبة للمشتري، الذي يقيس اختياره بدقة بين “المتاح” و”المرغوب”.
الفسيخ يقف في منطقة أخرى، بسعر يصل إلى 400 جنيه للكيلو.
هنا، القرار ليس سهلًا.
البعض يتردد، البعض يكتفي بكمية أقل، وآخرون يمرون عليه مرورًا سريعًا، كأنه رفاهية مؤجلة.
أما السردين، فيحافظ على موقعه كخيار أقل تكلفة، يبدأ من 60 جنيهًا، ويجذب من يبحثون عن الطعم نفسه، لكن بحسابات أكثر تحفظًا.
وبين هذه الأصناف، تتحرك عناصر لا تقل أهمية:البصل الأخضر بخمسة جنيهات للربطة،الليمون الذي وصل إلى 25 جنيهًا،تفاصيل صغيرة، لكنها حاسمة في تشكيل “المذاق النهائي” للعيد.
الإقبال واضح، ما الذي يدفع الناس؟رغم هذه الأرقام، لا يبدو السوق خاليًا أو مترددًا.
على العكس، الإقبال واضح، والزحام يتزايد كلما اقترب العيد.
لكن هذا الإقبال لا يعني الاندفاع.
هناك حذر واضح في العيون، حسابات تُجرى بصمت، وقرارات تُؤخذ بعد تردد.
كثيرون يغيرون الكميات، يقللون الاختيارات، أو يستبدلون صنفًا بآخر.
ومع ذلك، نادرًا ما يغادر أحد دون شراء.
السبب لا يرتبط بالجوع، بل بالمعنى.
الفسيخ والرنجة هنا ليسا مجرد وجبة، بل “علامة”.
وجودهما على المائدة يعلن أن العيد قد اكتمل، حتى لو كان بكميات أقل.
في زوايا السوق، يمكن قراءة ما هو أبعد من الأسعار.
امرأة تمسك بكيس صغير، تقلبه بين يديها قبل أن تدفع.
رجل يسأل أكثر من بائع، ثم يبتسم كأنه وجد توازنًا مقبولًا.
شاب يشتري لأول مرة، يتردد، ثم يضحك حين يخطئ في الاختيار.
هذه التفاصيل تكشف ما هو أهم:كيف يتعامل الناس مع التغيّر، وكيف يعيدون تشكيل عاداتهم دون أن يتخلوا عنها.
الرائحة كإعلان غير رسمي للعيدفي النهاية، قد تختلف الكميات، وقد تتغير الأذواق، لكن هناك شيء واحد يظل ثابتًا: الرائحة.
هي أول ما يصل، وآخر ما يغادر.
تلتصق بالملابس، وترافق العابرين إلى بيوتهم، كأنها تذكير خفي بأن العيد لم يعد فكرة بعيدة.
في الإسكندرية، لا يُعلن العيد فقط برؤية الهلال، ولا بامتلاء الشوارع، بل بهذه الرائحة التي لا تخطئها الذاكرة.
رائحة قد يختلف حولها الناس، لكنهم يتفقون، دون أن يقولوا، أنها تعني شيئًا واحدًا أن العيد أصبح قريبًا بما يكفي ليُشم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك