في مكان هادئ بمحافظة الفيوم، قضت منى علي أبو سيف عبدالله، ربة المنزل التي تبلغ من العمر 51 عامًا الآن، 23 سنة من عمرها في رحلة عطاء وتضحية لأجل ابنيها، تتأمل صورهما بعدما فازت بالأم المثالية الأولى من الفيوم على مستوى الجمهورية، تحزم حقائبها لتسافر للقاهرة وتُكرّم من الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيس الجمهورية في حفل الأمهات المثاليات الذي يقام كل عام.
في الابن الطبيب، والآخر المحامي الذي يقضي خدمته العسكرية، ترى منى مشوار كفاحها الطويل، التي بدأت عام 2003 بوفاة زوجها بعد زواج لم يدم سوى عامين وعدة أشهر، تاركًا طفلًا عمره عام والآخر لا يزال جنينًا في رحمها، ليتركها قدرها أمام امتحانًا شديد الصعوبة، فاستجمعت قواها وحولت المحنة إلى منحة وسطرت قصة تضحية تتوّج فصولها بتكريمها كأم مثالية اليوم.
حلم الأسرة السعيدة دام عامين فقطوأوضحت منى الأم المثالية 2026 الأولى من محافظة الفيوم، في تصريحات خاصة لـ «الوطن» إنّها لم تكن تعلم بفوزها في المسابقة، وعلمت من اتصالنا بها، مبينةً إنها بدأت حياتها تحلم بتكوين أسرة بسيطة مستقرة مطمئنة متماسكة، وبالفعل تزوجت عام 2000 ولم تكن الفرحة تسعها، فقد كانت ترضى بالقليل، ولا تطلب الكثير في هذه الدنيا.
وأشارت إلى أنّ حياتها أشرقت بإنجاب طفلها الأول أحمد بعد عامين من الزواج، وبعد أشهر قليلة حملت في طفلها الثاني فؤاد الذي أسمته على اسم والده حيث إنّه لم يرى والده إذ توفي والده بشكل مفاجئ قبل ولادته، ليترك الأم برفقة طفل لم يدرك الحياة بعد وآخر جنينًا في رحمها في أصعب اختبار قد تمر به سيدة.
رحيل الزوج قبل 4 أشهر من الولادةوأضافت أنّ زوجها توفي بشكل مفاجئ وهي حامل في شهرها الخامس، ليترك قلبًا مثقلًا بالحزن، وطفلًا لم يمر كثيرًا على أن تخطوا قدميه الأرض إذ لم يكن يتجاوز العامين، وآخر لم يرى النور بعد، فانقلبت حياتها رأسًا على عقب، وحملت الأم مسؤولية أثقل من حملها في طفلها الذي أصبح يتيمًا قبل أن يخرج إلى الحياة.
وتابعت الأم المثالية من محافظة الفيوم، إنّه رغم صغر سنها ولكنها اتخذت قرارًا بإنّها لن تتزوج من آخر غير زوجها، وستكرس حياتها لطفلها الأكبر والآخر الذي الذي لم يولد بعد، فأغلقت أبواب قلبها قبل منزلها، قائلةً أطفالي هم مستقبلي، وأنا مستقبلهم ويستحقون التضحية بحياتي لأجلهما.
بعد قرارها هذا، بدأت منى رحلة كفاح صعبة، فلم يكن لديها مصدر دخل، ولا خبرة، ولكنها كانت تؤمن أن الله سيساعدها، وأنّ أبنائها يستحقون حياة كريمة، فخرجت إلى سوق العمل دون أن يكون لها خبرة، ولا سند في الحياة، فبدأت بالعمل في مصنع تغذية، لتنتقل من عمل شاق إلى آخر في مصنع ملابس، مواجهةً قسوة الحياة والقدر والظروف المعيشية بقلب أم شجاعة مُضحية لا يهمها سوى طفليها.
معاش تكافل وكرامة كان داعمًاوإلى جانب عملها الشاق، تقدّمت الأم للحصول على معاش تكافل وكرامة، الذي كان عونًا لها في توفير مصاريف أبنائها واحتياجاتهم، ومتطلباتهم، إلى جانب أهلها الذين كانوا عونًا وسندًا وأكبر الداعمين لها في رحلة كفاحها الطويلة.
وأشارت إلى أنّها جنت ثمار تعبها بتحقيق حلمها بأن ترى طفليها يحملان شهاداتهما الجامعية، فكلما كانت تراهما يكبران أمام عينيها كانت تدعو الله ليكونها متعلمين يحملان شهادات عليا تجعلهم في وظائف مرموقة، ليكونا عوضًا وسندًا لها في كبرها.
وصرحت بأنّ الحلم تحقق بالتحاق الأول بكلية الصيدلة، موضحةً إنّه أصبح الآن طالب بالفرقة الخامسة والأخيرة بعد سنوات من الاجتهاد والجد في المذاكرة، والثاني الذي ولد يتيمًا فقد حصل على ليسانس حقوق، وأصبح رجلًا مُخلصًا لوطنه فذهب لتأدية الخدمة العسكرية حاليًا كضابط احتياط.
منى الأم المثالية: ما زال للحلم بقيةوأكدت منى إنّ حلمها ما يزال له بقية لم يكتمل بعد، فهي ما تزال تعمل وتصبر وتقوي نفسها، انتظارًا لتخرج ابنها الكبير من كلية الصيدلة، لتبدأ بعدها مساعدتهم على الزواج وتكوين أسرة لكل منهما لتطمئن أن تعبها لم يذهب سدى.
ولفتت إنّها لم تكن تعلم بفوزها، إذ تفاجئت حينما أخبرتها «الوطن» لتستقبل الخبر بهدوء وعينين دامعتين، قائلةً إنّها لم تكن تتوقع التكريم، وإنّها تنتظر قدوم ابنها في إجازته ليكون برفقتها فالتكريم يكتمل بوجود ابنيها إلى جانبها، مؤكدةً إنّ هذا التكريم ليس لها فقط ولكن لكل أم تكافح من أجل أبنائها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك