كلما ارتفعت أسعار البترول، تتدخل الدولة لدعم مهنيي النقل، في خطوة يُفترض أن تحمي القدرة الشرائية وتمنع انفلات الأسعار.
منطق بسيط: حين تنخفض الكلفة، يجب أن تنخفض التسعيرة.
لكن الواقع يسير في اتجاه معاكس تمامًا: الدعم يُصرف… والأسعار ترتفع.
هنا لا نتحدث عن مفارقة عابرة، بل عن اختلال واضح في وظيفة الدعم نفسه.
ما يُمنح باسم المواطن لا يصل إليه، بل يتوقف داخل السوق، حيث يتحول إلى هامش ربح إضافي بدل أن يكون أداة لضبط الأسعار.
المشكل ليس في نية الدولة، بل في غياب الربط الصارم بين الدعم ونتيجته.
حين يحصل المهني على دعم دون التزام فعلي بعكسه على التسعيرة، يصبح منطق السوق هو الحاكم الوحيد: الطلب مستمر، الرقابة ضعيفة، والسعر قابل للارتفاع أو على الأقل للبقاء مرتفعًا، حتى عندما تنخفض الكلفة.
وقد بدأ المواطنون يلمسون هذا التناقض بشكل مباشر في حياتهم اليومية.
فتعريفة نقل الأشخاص شهدت زيادات تتراوح بين 5 و20 درهمًا في عدد من الخطوط، وهي زيادات تبدو صغيرة في ظاهرها لكنها تتراكم لتثقل كاهل الأسر، خاصة مع تكرار التنقل.
أما نقل البضائع، فقد عرف قفزات أكثر حدة، حيث اقتربت الكلفة في بعض الحالات من الضعف، ما ينعكس بشكل غير مباشر على أسعار المواد الاستهلاكية ويُوسّع دائرة التأثير لتشمل الجميع.
الأخطر أن هذا الوضع لم يعد استثناءً.
المواطن يلاحظ، يتذمر، لكنه يدفع.
ومع تكرار المشهد، يتحول الغلاء إلى أمر عادي، ويصبح الدعم، في وعي الناس، شيئًا لا يعنيهم رغم أنه يُموَّل من جيوبهم.
في النهاية، المواطن يؤدي الثمن مرتين: مرة عبر الضرائب التي تمول هذا الدعم، ومرة عبر تسعيرة لا تعكسه.
وبين الدفعين، تضيع الغاية الأصلية: أن يكون النقل خدمة منظمة تحكمها قواعد، لا سوقًا مفتوحة يُعاد فيها تحميل الكلفة دائمًا لنفس الطرف.
السؤال لم يعد لماذا يرفع المهنيون الأسعار، بل لماذا لا يُجبرهم شيء على خفضها رغم أنهم مدعومون.
هنا بالضبط، يكمن الخلل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك