لقد أصبحت الفضاءات الرقمية في عصرنا الحالي ساحات مفتوحة للصراعات، ولم يعد الخطر يكمن في الجهل بقدر ما يكمن في سلاح تزييف الحقيقة وتشويه الوعي العام، حيث شهدت الأيام الماضية واقعة هامة تعكس بوضوح خطورة التجاوزات الرقمية، وذلك حينما أصدر القضاء حكماً بالحبس لمدة ثلاث سنوات وغرامة مائة ألف جنيه بحق أحد المحامين بتهمة التشهير، بناءً على ما ثبت من أدلة يقينية وتقارير فنية متخصصة، إن هذه الواقعة تتجاوز كونها قضية عابرة لتصبح نموذجاً صارخاً لظاهرة" الاغتيال الرقمي" التي باتت تهدد السلم المجتمعي، وتكشف عن موجة من الغضب تجاه استغلال منصات التواصل الاجتماعي في تداول مستندات مفبركة وغير موقعة تفتقر لأي أساس من الصحة بهدف التشويه المتعمد، وهي ممارسات تنبع في الغالب من دوافع الغيرة المهنية ومحاولة النيل من نجاحات الآخرين ومكانتهم المرموقة التي حققوها بجدارة.
إن إساءة استخدام السوشيال ميديا حولتها من وسيلة للتقارب الإنساني إلى أداة للاتهام الباطل ونشر الفساد المعلوماتي الذي يزيف وعي الناس ويقلب الحقائق، ولا يتوقف الأمر عند تزوير الوثائق بل يمتد إلى انتهاك خصوصية المراسلات واجتزائها من سياقها لتقديم صورة مشوهة وتضليل الرأي العام، وهو ما يعد تلاعباً بالبيانات لا يقل خطورة عن تزوير الوثائق الرسمية ذاتها، ويمثل هذا السلوك جريمة في حق المجتمع بأسره لأنه يخلق حالة من الفوضى تجعل التمييز بين الحقيقة والزيف أمراً عسيراً، ولعل ما تعرضت له الدكتورة جيهان زكي وزيرة الثقافة من حملات تشويه وتشهير يجسد قمة هذا الانحدار الرقمي، حيث يتم استهداف المسؤولين والشخصيات العامة بسيل من الادعاءات الكاذبة والأوراق المزيفة بهدف زعزعة الثقة في كفاءتهم وتدمير مسيرتهم المهنية.
لقد كان التريث والانتظار حتى صدور الحكم القضائي البات هو نهجي ومنطلقي قبل الكتابة في هذا الموضوع؛ وذلك إيماناً مني بخطورته وحساسيته التي لا تحتمل التأويل، فكان لزاماً أن تنطق منصة القضاء أولاً لتضع النقاط على الحروف وتقدم الدليل القاطع واليقيني، حيث كان حكم القضاء العادل والفاصل في هذه القضية هو الدافع الأساسي والمحرك لي لصياغة هذا المقال، ليكون بمثابة قراءة في دلالات الحق الذي انتصر والباطل الذي زُهق برداء القانون.
إن الإشارة الصريحة لما واجهته الدكتورة جيهان زكي وزيرة الثقافة تعكس حجم الهجمة الشرسة التي قد يتعرض لها القادة المخلصون نتيجة قرارات إصلاحية أو نجاحات ملموسة لا تروق لمن احترفوا الصيد في الماء العكر، وهنا يجب التأكيد على أن اختيار شخصية مرموقة لتولي حقيبة" الثقافة" لم يأتِ من فراغ، بل جاء بناءً على تدقيق صارم وترشيحات دقيقة من قبل الجهات الرقابية والأمنية المعنية في الدولة، والتي تراجع السير الذاتية والمهنية بكل دقة؛ فلو كان ملفها يحمل أي تجاوزات أو شابت مسيرتها أي أخطاء، لم تكن لتنال هذه الثقة الغالية ولما وُجدت على رأس واحدة من أهم الوزارات السيادية والتمويرية في مصر، مما يجعل من حملات التزييف الرقمي ليس مجرد هجوم شخصي، بل طعناً في معايير اختيار الدولة لكفاءاتها، وهو ما يفرض علينا ضرورة التوقف أمام هذه الظاهرة التي تحاول تحويل الكذب والتشهير إلى وجهة نظر أو حرية رأي، بينما هي في الحقيقة جريمة تدميرية مكتملة الأركان.
إن هذا النوع من الاغتيال المعنوي يضع ضغوطاً نفسية هائلة على الأشخاص الشرفاء والمخلصين في عملهم، حين يجدون أنفسهم فجأة وسط حملة تشويه مبنية على أضاليل تكنولوجية، ولذلك تبرز أهمية وجود ضوابط صارمة وحاسمة لهذه التجاوزات الرقمية، فالأمر لم يعد يحتمل التهاون أو التبرير، ويجب أن يكون الحكم القضائي الأخير درساً رادعاً لكل من يظن أنه بمنأى عن الحساب أو يتخيل أن الفضاء الإلكتروني هو مساحة للفوضى بعيداً عن سيادة القانون، إن الدولة المصرية أثبتت من خلال أجهزتها الفنية والقضائية قدرتها على تتبع المخطئين وحماية المستهدفين من الظلم، ولكن المسؤولية تقع أيضاً على عاتق المستخدمين في ضرورة تحري الدقة وعدم الانجراف خلف المنشورات المجهولة أو المستندات التي لا تحمل توقيعات رسمية، إن تداول الأوراق المزيفة والانسياق وراء الشائعات التي طالت وزيرة الثقافة الدكتورة جيهان زكي وغيرها من رموز العمل العام يمثل طعنة في قلب المصداقية المجتمعية، ويستوجب وقفة تشريعية واجتماعية تضع حداً لمن يستحلون أعراض الناس وسمعتهم تحت مسمى النقد أو المعارضة.
إن حماية المجتمع من أخطار الرقمنة السيئة تتطلب تشريعات تواكب التطور المتسارع في تقنيات التزييف، فاليوم يتم اجتزاء المحادثات غداً قد يتم استخدام الذكاء الاصطناعي في تزييف الأصوات والصور بشكل أعمق، مما يجعل الضوابط الأخلاقية والقانونية هي خط الدفاع الوحيد المتبقي لنا، إن اغتيال السمعة هو قتل من نوع آخر، وقتل الشخصية معنوياً قد يكون أشد قسوة من القتل المادي، ولذا فإن التشهير بالدكتورة جيهان زكي وزيرة الثقافة أو أي رمز وطني آخر هو اعتداء على قيم المجتمع قبل أن يكون اعتداءً شخصياً، ومن هنا يجب أن نعي أن حرية التعبير تنتهي تماماً عندما تبدأ جريمة التلاعب بالوعي وتزييف الحقائق، ولابد من تكاتف الجميع لرفض هذا السلوك المشين وتطهير الفضاء الرقمي من هذه الأدوات التي تستهدف هدم النجاحات وإشاعة مناخ من الشك واليأس، فالمجتمع الذي يسمح بتدمير كفاءاته عبر منصات التواصل الاجتماعي هو مجتمع يغتال مستقبله بيده.
لقد أصبح السلاح الرقمي أداة في يد ضعاف النفوس لمحاربة كل مشروع ناجح، وما حدث مع وزيرة الثقافة الدكتورة جيهان زكي لم يكن مجرد هجوم شخصي، بل كان محاولة لضرب حالة الاستقرار الثقافي والمهني التي تسعى الدولة لترسيخها، إن تكرار هذه الحوادث يؤكد أننا أمام" إرهاب إلكتروني" يتطلب استراتيجية وطنية شاملة للوعي الرقمي، تبدأ من تعليم الأجيال القادمة كيف يفرقون بين الخبر اليقين والشائعة المغرضة، وكيف يحترمون الخصوصية الرقمية باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من الكرامة الإنسانية، إن القضاء المصري بكلمته الحاسمة في قضية المحامي المشهر قد وضع حجر الأساس لمرحلة جديدة من المحاسبة، حيث لا صوت يعلو فوق صوت الحق والبيان الفني القاطع، ليعلم كل محترف تزييف أن بصمته الإجرامية ملاحقة مهما توارى خلف حسابات وهمية أو مستندات مصطنعة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك