ليس جديداً أن تفقد مُعظم المُسلسلات نسب كبيرة من المُشاهدة نتيجة الكثافة الدرامية العالية، وحالة التشتت التي يُصاب بها الجمهور نظراً لتعدد النماذج والموضوعات وصعوبة الاختيار في الوقت الضيق، ما بين الإفطار والسحور.
ولهذه الحالة أسبابها فالمُنافسة القوية تلعب دوراً رئيسياً في تزايد مُعدلات الإعلان بين المشاهد، للاعتقاد بأن فترة عرض المُسلسلات تُمثل الذروة في نسبة المُتابعين، الأمر الذي ينتج عنه العزوف الكامل عن متابعة النوعين الدرامي والإعلاني، بدلاً من ملل الانتظار والقلق النفسي المُترتب عليه.
هذه الإشكالية هي ذاتها التي دفعت الفنان محمد صبحي، في وقت من الأوقات إلى رفض عرض مُسلسلاته التي أنتجها، وقام ببطولتها وشارك في تأليفها خلال الموسم الرمضاني، مُتعللاً بأن هناك ظُلماً كبيراً يقع على بعض الأعمال، خاصة الجادة، نتيجة الزحام الشديد في خريطة العروض، حيث لا يجد الجمهور المهتم الوقت الكافي لمُتابعة ما يُريد، بالشكل الذي يمنحه الفرصة للتذوق والاستمتاع وتكوين رأي سديد في ما يُشاهده، وبناءً عليه يعد زمن المشاهدة وقتاً مهدراً، ولا طائل منه حسب قول الفنان محمد صبحي.
ولأن هذه المُشكلة تتكرر باستمرار وتُمثل بالفعل عائقاً حقيقياً أمام المُسلسلات الجديدة، وتحول دون اكتمال الرؤية وتكوين الرأي، تبدأ في كل موسم رمضاني دورة العرض الثاني، بعد العيد مُباشرة، في محاولة أخرى لإعادة النظر في الأعمال التي حظيت بقبول جماهيري، ودلت المؤشرات على تميزها.
مُسلسل «مناعة» بطولة هند صبري ورياض الخولي وميمي جمال ومحمد أنور أحد الأعمال المهمة، التي تحتاج فرصة أخرى من المُشاهدة المتأنية ليكون الحُكم عليها عادلاً، سواء بالسلب أو بالإيجاب، فالأحداث مُختلفة والدور الرئيسي للبطلة يكاد يكون استثناء في مسيرتها الفنية، لخروجها عن الأنماط المُعتادة في أدوارها السابقة والشخصيات التي قامت بأدائها، فلم يسبق لهند أن لعبت دور تاجرة مُخدرات، تقوم بتوزيع الحبوب المُخدرة على تلاميذ المدارس في مراحل التعليم الأساسي والإعدادي والثانوي.
الظاهرة المُخيفة، لفت النظر إليها الكاتب عمرو الدالي بكتابة واعية وناضجة، ونفذها إبداعياً على الشاشة بإمكانية مُبهرة المخرج حسين المنباوي.
كما أدى جميع الأبطال أدوارهم داخل المُسلسل بكفاءة عالية لأهمية الموضوع وحساسيته المُفرطة كخطر داهم يُهدد أمن وسلامة المُجتمع.
ومما لا شك فيه أن هند صبري استمرت على المستوى المطلوب كمُمثلة مُحترفة، تمتلك بقوة القُدرة على التقمص والإقناع، بأقل مجهود كونها مُتمرسة وفائقة الحضور والتأثير، ولها سمات أدائية مُتجددة طوال الحلقات، فهي تختلف في كل مشهد عن الآخر وتقبض تماماً على روح الشخصية ومكوناتها النفسية والإنسانية المُناسبة للمواقف والأحداث.
وبالنظر إلى أحداث المُسلسل التراجيدي «توابع» نجد أن البطلة ريهام حجاج لم تتأثر كثيراً بالحملة التي شنتها عليها الصُحف في العام الماضي، واستمرت في عناد ومُثابرة لتُثبت نجاحها وتفوقها في مسلسل «توابع» كنجمه لديها مقومات المُنافسة مع أقوى وأكثر النجمات تمكناً.
فرغم جُرعات الحُزن المُكثفة في الحلقات الأولى، تماشياً مع أجواء الفقد المريع والمؤلم لابنها الوحيد، إلا أن ريهام استطاعت استثمار شُحنات الكآبة لصالحها ووظفتها التوظيف اللائق بالشخصية، فتجاوزت بفضل ذلك مساحات الكدر والسوداوية، فلم تستغرق فيها طويلاً وبدت كمن تنفض عن كاهلها عناءً حقيقياً لتبدأ من جديد بداية مُختلفة وهذا ما حدث بالفعل.
لذا يُمكن اعتبار الشخصية بتفاصيلها الإنسانية العميقة نقله نوعية وقفزة للأمام في مسيرتها الفنية التي تشهد تطوراً ملحوظاً في إطار حرصها على تنويع الأدوار وتفعيل موهبتها في ما يُبرز قُدراتها.
لكن ثمة شيء مُفتقد في علاقة ريهام بالجمهور، ربما يعود إلى اعتلائها قمة النجومية بسرعة وفي زمن قياسي، من دون التمرس الكافي على أداء الأدوار الثانوية، أو البطولات الثانية، حسب رأي الأغلبية التي تستكثر عليها نجوميتها التي تحققت في وقت قصير.
مسلسل «درش» بطولة مصطفى شعبان وسهر الصايغ وأحمد فؤاد سليم ورياض الخولي وعايدة رياض، تبدو قصته مُكررة، فليس فيها ما يلفت النظر غير أداء مصطفى شعبان المتراوح بين الفقدان الجزئي للذاكرة، والحالة المزدوجة للشخصية، التي تبدو عليها أعراض الشيزوفرينيا، فالبطل فاقد للذاكرة تارة، ومُتقد الذهن تارة أخرى.
ففي حالة فقدان الذاكرة هو المعلم الذي يخشاه سكان الحارة من الكبير إلى الصغير، والموكل بإقامة العدل بين الناس، وأخذ حق الغلابة من الفئة الباطشة المُتجبرة.
وفي حالة اتقاد الذهن والتركيز الكامل، هو شخص رومانسي وعاطفي ومُرهف الحس، وما بين الحالتين هو لا شيء.
ليس عاطفياً وليس واقعياً، وإنما شخص آخر يجمع بين الأضداد.
فمن بداية الحلقة، وحتى منتصف المُسلسل لا توجد ملامح دالة على جوهر الشخصية وعمقها، اللهم غير تصدير مصطفى شعبان كبطل بالقوة، ونجم يُكتب اسمه بالبنط العريض مع بداية نزول التترات للإيهام باستقبال حدث جلل، ودور منقطع النظير وتلك هي أزمة المُسلسل والبطل والحكاية من بدايتها لنهايتها.
ويأتي مسلسل «على قد الحُب» بطولة نيللي كريم وشريف سلامة وصفاء الطوخي، تأليف مصطفى جمال هاشم وإخراج خالد سعيد، مُتشابهاً من حيث فقدان الذاكرة وحالة الاضطراب النفسي للبطلة، مع المُسلسل سابق الذكر «درش» فالاثنان يعزفان على وتر الرومانسية المقطوع، وحالة عدم الانسجام مع الواقع باعتبار ذلك هو سبب الاضطراب وسر الأزمة، بينما الحقيقة تشي بعكس ذلك، فالأزمة الحقيقية في الكتابة والحبكة الدرامية التي ينقصها الكثير، والتي كانت سبباً في تغيير اسم المُسلسل من عنوانه الأولي «أنا» إلى عنوانه الأخير «على قد الحُب « وهذه ربما تكون دلالة التشويش والاضطراب، حيث تداخل المفاهيم وتعدد الأفكار، من دون بلورة تُفصح عن الهدف والقصد والمضمون، فهذا من شأنه أن يُبدد الفكرة الرئيسية ويُفقد المُشاهد حرارة المُتابعة ويجعله في حاجة فعليه لتكرار المُشاهدة، ليتسنى له الربط بين الأحداث والوصول إلى معنى الرسالة المُستهدفة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك