في عام 1984 كنت جندياً في الجيش المصري، أي قبل 42 عاماً، وقتها كان قد مضى على توقيع اتفاقية السلام مع الكيان الصهيوني خمسة أعوام (1979)، وانسحب من شبه جزيرة سيناء.
باستثناء أحد الفنادق في مدينة طابا، كان يحلم بالتنازل المصري عنه، إلا أن معركة قضائية أمام المحكمة الدولية حسمت الأمر، وانسحب على إثرها، بعد الحصول على ثمن الفندق مضاعفاً، حتى لا يتم تفجيره، مثلما حدث مع العديد من المستعمرات، أي أن قصة الحروب والاحتلال في ذلك الوقت كانت قد انتهت، على الجبهة المصرية، على أقل تقدير.
في شهر مارس من العام نفسه، قام الطيران الليبي بقصف إذاعة أم درمان بالسودان، نتيجة خلافات بين العقيد معمر القذافي والرئيس جعفر نميري، ونظراً لأن العلاقات المصرية- الليبية في ذلك الوقت كانت متوترة جداً، نتيجة اتفاقية السلام المشار إليها، فقد أعلن الجيش المصري، بالمنطقة الغربية، رفع درجة الاستعداد إلى الحالة القصوى، والتأهب انتظاراً لصدور أوامر بالتحرك نحو الحدود الليبية، وهنا كانت الملاحظة المهمة والخطيرة، وهي رد فعل الجنود، الذين تتراوح أعمارهم جميعاً بين 18 و23 عاماً لا أكثر، وهو التذمر والغضب، والرفض التام من حيث المبدأ، لأي توجه من هذا النوع، فالقناعة الراسخة، هي أن وجودنا في الجيش المصري لهدف وحيد، وهو مواجهة العدو الصهيوني.
لم يقتصر ذلك على الجيش فقط، بل في كل مكان، الغريب أنها لم تتزحزح حتى الآن رغم مرور 48 عاماً على توقيع الاتفاقية المشار إليها، ورغم التغيير الكبير الذي طرأ على المناهج الدراسية في هذا الشأن، ورغم تغير لغة الخطاب الإعلامي، إضافة للعديد من المعطيات الأخرى، من أهمها التجنيد الخارجي لتيار من المثقفين والسياسيين والإعلاميين، للعمل كل تلك السنوات، كطابور خامس، للتبشير بالكيان الصهيوني، وإمكانية التعاون معه، بل أحقيته في الوجود، وشرعيته في البقاء، وغيرها من أساليب الاحتيال والدجل.
إذا كان البعض قد مد يده، يوما ما، إلى الكيان الصهيوني بالسلام، فإن الضرورة تقتضي الآن إعادة النظر في هذا التوجه، في ضوء المخاطر الكبيرة التي تهدد المنطقةهذا الواقع نفسه يستدعى الآن في الشارع المصري، مع المواجهة الدائرة بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية من جهة، والكيان الصهيوني والولايات المتحدة الأمريكية من جهة أخرى، وهو ما لم تستطع بعض شعوب دول الخليج العربية إدراكه، على كل المستويات السياسية والإعلامية والأكاديمية، حسبما هو واضح من ردود أفعالهم على الموقف الشعبي المصري، المنحاز لإيران في الحرب، مادام الطرف الآخر هو الكيان، ومعه أمريكا الداعم الأكبر لذلك الكيان.
المؤكد أن قضية دعم الشعبي المصري للدول العربية عموماً في أية مواجهات، أو أزمات، أمر مفروغ منه تاريخياً وعقدياً، كما الأمر حينما يتعلق بالكيان الصهيوني، فلا مجال للنقاش أو الجدل، ما بالنا إذا كانت فلسطين لا تزال محتلة، والمسجد الأقصى لا يزال أسيراً، وما قولنا إذا كانت حرب الإبادة الصهيونية على قطاع غزة، لم تضع أوزارها، إضافة لمجموعة من العوامل يجب وضعها في الاعتبار حين البحث في هذه القضية وهي:أولاً: وجود أكثر من 30 قاعدة عسكرية أجنبية بالمنطقة، خاصة الأمريكية منها، ما بين دول الخليج والعراق والأردن وجيبوتي والصومال، ستظل نقطة ضعف كبيرة، أمام أي محاولات استجداء للتعاطف الشعبي، وأحياناً الرسمي، في كثير من بلدان المنطقة، وليس في مصر فقط، مع الوضع في الاعتبار الموقف المصري، سابقاً ولاحقاً، الرافض لوجود أي قاعدة أجنبية على الأراضي المصرية، وهو ما كان يجب أن تحذو حذوه بقية الدول العربية، على اعتبار أنه موقف عربي مشترك.
ثانياً: الأحداث الراهنة، تؤكد خطأ الرؤية العربية الرسمية، التي لم تؤمن بأهمية تفعيل اتفاقية الدفاع العربي المشترك، وتكوين جيش عربي قوي، يمكنه الدفاع عن الجغرافيا العربية، حال نشوب أية أزمات، مع الأخذ في الاعتبار، أن التكلفة في هذه الحالة، لن تقارن بأي حال، مع ما ينفق على القواعد العسكرية، أو حتى على الابتزاز الذي تمارسه الدول الكبرى، أو على إصلاح ما أفسدته مواجهات، لا شأن للمنطقة بها.
ثالثاً: ابتعاد عدد كبير من الدول العربية، خصوصاً في الخليج، عن القضية الفلسطينية، وعدم اعتبارها أولوية، كما إقامة علاقات، لا معنى لها، مع الكيان الصهيوني، ساهم في تعبئة شعبية سلبية كبيرة، تجاه تلك الدول، وهو ما يجب عدم تجاهله الآن، حين طرح الأسئلة الكثيرة، التي تعج بها «السوشيال ميديا» والشارع الخليجي بشكل خاص، حول أسباب هذا الموقف، الذي فرضت الأحداث خروجه إلى العلن، فيما بدا أنه مفاجأة من العيار الثقيل.
رابعاً: لا يستطيع أحد، أو نظام، بضغطة زر، تغيير عقيدة شعب، له حجته ومبرراته، ولم تطرأ من الأحداث ما يمكنها التأثير فيه، على مدى ثمانية عقود، ارتكب خلالها كيان الاحتلال كل الموبقات، من إبادة وسرقة وحرق ونهب وكذب، واستهداف الأطفال والنساء والمستشفيات، حتى لو كان السبيل إلى تغيير هذه العقيدة، استخدام المساعدات، أو المنح والعطايا، ذلك أن الشعب المصري في معظمه، ينظر إلى تلك المساعدات على أنها، لأسباب معلومة، دعم لنظام سياسي بعينه، وليس للشعب أو للدولة المصرية.
خامساً: تتجاهل ورقة التلويح بالعمالة المصرية في الخارج، أن هذه العمالة ساهمت في بناء عدد كبير من دول المنطقة، على كل المستويات، وإلا لما سُمح لهم بالاستمرار هناك يوماً واحداً، وهو الأمر الذي يجب عدم التلويح به في أي حديث جاد، يستهدف النهوض بالموقف العربي، أو لم الشمل، ذلك أن الجميع خاسرون، حال التخبط في اتخاذ القرار.
الأحداث الدائرة الآن في المنطقة، وفي مقدمتها الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، تحتم على كل الدول ذات الصلة، إعادة النظر في سياساتها الخارجية، خصوصاً مع هروب الجيوش الأجنبية من قواعدها العسكرية، التي كان البعض يظن أن وجودهم يهدف إلى حماية هذه الدول، ذلك أن المنطق ومجريات الأحداث يؤكدان أن جيشاً عربياً مشتركاً، على غرار «الناتو» الغربي، سيشكل قوة ردع كبيرة، سواء ما يتعلق بالصدامات الداخلية، كما هو الحال في السودان، أو الخلافات العربية – العربية، كما هو الحال بين العراق والكويت، أو الأزمات العربية مع الآخرين، كما هو الحال الآن.
في الوقت نفسه، يجب تحديد العقيدة القتالية العربية مجدداً، انطلاقاً من قناعات الشعوب، والمخاطر المحيطة في آن واحد، وهي أن الكيان الصهيوني، هو العدو الأول والأخير، وأن استمرار وجوده، يحمل مخاطر لا حصر لها للأجيال المقبلة، خصوصاً مع ما يصدر عنهم من تصريحات متتالية، توضح الأطماع، بمزيد من الاحتلال لدول المنطقة، ومزيد من الحروب، الأمر الذي يجعل من أي خلافات أخرى مع بعض دول الجوار، غير ذات معنى، خصوصاً إذا كانت خلافات طائفية أو عرقية أو أيديولوجية، حتى يمكن الالتقاء على كلمة سواء.
ولأن الأمر كذلك، يجب الاعتراف بأن جامعة الدول العربية، بشكلها الحالي، وميثاقها وتمويلها، وطريقة عملها، لم تعد تحقق فائدة تذكر، ما يوجب على القيادة السياسية في كل الدول الأعضاء، إعادة النظر في وجودها من الأساس، إذا لم تكن هناك إرادة لإعادة تفعيلها من جديد، بما يضمن تحقيق الهدف من إنشائها، وما يحقق آمال المواطن العربي من وجودها.
وإذا كان البعض قد مد يده، يوما ما، إلى الكيان الصهيوني بالسلام، فإن الضرورة تقتضي الآن إعادة النظر في هذا التوجه، في ضوء المخاطر الكبيرة التي تهدد المنطقة، وفي مقدمتها، أطماع الكيان الدموي العنصري، الذي لا يتورع عن إعلان عزمه تغيير خريطة المنطقة، بما يمنحه السيطرة العسكرية، بمساعدة إدارة أمريكية أكثر عنصرية وطائفية، تسعى للسيطرة على مقدرات وثروات الشعوب، من أقصى الكرة الأرضية إلى أقصاها، ما يحتم التعامل مع العقيدة الشعبية المصرية، تجاه هذا الكيان، ومن يسانده، باعتبارها أساساً، يجب البناء عليه، للتضامن العربي المشترك.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك