مع أول خيوط الصباح في يوم عيد الفطر لا تبدو محافظة الغربية كما كانت قبل أيام قليلة فالهدوء الذي كان يسبق العيد يتحول فجأة إلى حياة نابضة وإلى طاقة من الفرح تنتشر في كل شارع وزقاق كأن المحافظة بأكملها قررت أن ترتدي ثوب البهجة دفعة واحدة.
في مدن كبرى مثل ط طا والمحلة الكبرى وكذلك في القرى الصغيرة يبدأ المشهد بصلاة العيد حيث تتجمع الحشود في الساحات والمساجد منذ الساعات الأولى صفوف طويلة من المصلين، تكبيرات تتردد في السماء ووجوه يغمرها السلام والسكينة لحظة روحانية خالصة تمهد لبداية يوم استثنائي يحمل في طياته الكثير من التفاصيل الصغيرة التي تصنع فرحة كبيرة.
ومع انتهاء الصلاة تنطلق الشرارة الحقيقية للعيد تتعالى التهاني وتتصافح الأيدي وتبدأ الزيارات العائلية التي تعيد وصل ما انقطع وتؤكد أن العيد ليس مجرد مناسبة بل فرصة لإحياء العلاقات والدفء الإنساني.
لكن المشهد الأكثر سحرًا يظل دائمًا من نصيب الأطفال فبمجرد خروجهم إلى الشوارع بملابسهم الجديدة تبدأ الحكاية الأجمل وجوه بريئة تلمع بالفرح ضحكات لا تتوقف وعيون تلمع شوقًا لكل ما هو جديد ومبهج ينتشر الأطفال في الميادين والشوارع يركضون خلف البالونات الملونة التي تملأ السماء ويجذبهم بريق الألعاب البسيطة التي يبيعها الباعة الجائلون.
وتقف (الدباديب) العملاقة كأحد أبرز رموز العيد في السنوات الأخيرةدُمى ضخمة بألوان زاهية تحيط بها مجموعات من الأطفال لالتقاط الصور أو لجرّها خلفهم في مشهد يبدو وكأنه استعراض طفولي بريء لم تعد هذه الدمى مجرد لعبة بل أصبحت جزءًا من ذاكرة العيد وعنصرًا لا يمكن تجاهله في شوارع الغربية.
الأسواق بدورها تعيش حالة من الانتعاشالباعة ينادون بأعلى أصواتهم يعرضون بضاعتهم من الألعاب والحلوى والروائح الشهية تتسلل من المحال لتجذب المارة كل شيء يبدو وكأنه يحتفل حتى الأرصفة والحوائط التي تزينها ألوان البالونات والزينة.
لكن رغم كل هذا الصخب يبقى للكحك مكانة خاصة لا ينافسه فيها شيء في كل بيت تحضر رائحة كحك العيد تلك الرائحة التي تعلن رسميًا أن العيد قد بدأ بجانبه يأتي البسكويت والبيتي فور والغُريبة في مشهد يعكس تراثًا متوارثًا عبر الأجيال.
طقوس إعداد الكحك ليست مجرد عملية طهيبل هي مناسبة اجتماعية بحد ذاتها تجتمع النساء في المطابخ يتبادلن الحديث والضحك ويسترجعن الذكريات بينما تتشكل قطع الكحك في صوانٍ متراصة تحمل كل واحدة منها لمسة خاصة هذه اللحظات رغم بساطتها تمثل جوهر العيد الحقيقي حيث المشاركة والدفء.
ومع حلول منتصف اليوم تتجه بعض الأسر إلى طقس مختلف، طقس يحمل في طياته مشاعر متباينة وهو زيارة المقابر في هذا التقليد الراسخ يحرص كثيرون على زيارة ذويهم الراحلين قراءة الفاتحة والدعاء لهم لحظة صامتة تختلط فيها الدموع بالابتسامات ويشعر فيها الإنسان أن العيد لا يكتمل دون أن يتذكر من رحلواأما عن المائدة في يوم العيد فهي حكاية أخرى من التراث الشعبي…ففي الغربية كما في كثير من المحافظات المصرية يحتل الفسيخ والرنجة مكانة لا يمكن تجاهلهاتُعد هذه الأطباق جزءًا أصيلًا من طقوس العيد رغم الجدل الدائم حولها لكنها تظل حاضرة بقوة على الموائد.
تجتمع العائلات حول الطعام يتبادلون الأحاديث والضحكات وتتحول الوجبة إلى مناسبة اجتماعية دافئة.
البصل الأخضر الليمون والسلطات البسيطة كلها عناصر تكمل هذا المشهد الشعبي الذي لا يتغير مهما مر الزمن.
وفي الخارج تستمر مظاهر الاحتفال الحدائق العامة تمتلئ بالأسر الأطفال يركضون في كل اتجاه والألعاب تنتشر في كل مكان تتحول المساحات المفتوحة إلى ساحات فرح جماعي حيث لا مكان للحزن أو الضغوطولا يمكن الحديث عن العيد دون التوقف عند (العيدية)تلك العادة التي ينتظرها الأطفال بفارغ الصبر لحظة استلام النقود من الأهل والأقارب تحمل في طياتها سعادة لا تُقدر بثمن ليست القيمة المادية هي الأهم بل الشعور بالاهتمام والاحتفال.
وفي القرى يحتفظ العيد بطابع أكثر بساطة ودفئًا…الجميع يعرف الجميع الزيارات لا تنقطع والأبواب تظل مفتوحة طوال اليوم الأطفال يلعبون في الشوارع بأمان والكبار يجلسون أمام البيوت يتبادلون الأحاديث هنا يبدو العيد وكأنه عاد إلى جذوره الأولى بسيط صادق ومليء بالمحبة.
ومع اقتراب المساء لا تخفت الأضواءبل تستمر الفرحة وتزداد حيوية الشوارع خاصة في المناطق الحيوية حيث تمتد السهرات وتستمر الضحكات وكأن اليوم يرفض أن ينتهي.
العيد في الغربية ليس مجرد يومبل حالة ممتدة من الفرح تبدأ قبل قدومه بأيام وتستمر بعده بذكريات لا تُنسى هو مزيج من الروحانية والعادات والتقاليد ومن اللحظات الصغيرة التي تصنع فرقًا كبيرًا في حياة الناس.
وجلسة عائلية حول مائدة بسيطةويد صغيرة تمتد لتأخذ عيديةهكذا تحتفل الغربية بالعيدليس فقط بالمظاهر بل بالمشاعر.
ليس فقط بالأصوات بل بالذكريات.
عيدٌ يُعاش بكل تفاصيله ويُحفظ في القلوب ليبقى حاضرًا حتى يأتي من جديد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك