إحدى العبارات الأكثر ترداداً في السياسة الإسرائيلية هي “الشعب الخالد لا يخشى الطريق الطويلة”.
نسير فيها بتظاهر، نغنيها، نرقصها، نبدأ بها المقالات والخطابات المتفائلة المفعمة بالمناعة الوطنية، في كل صحيفة وفي كل ندوة.
هذه الآية ظلت دوماً مشبوهة في نظري: أسمعها دينية، لكنها ليست كذلك.
لهذا، استدعيت النجدة من صديقي الإنترنتي د.
غوغل.
لم يعرف من وضع العبارة، لكنه عرف أين تظهر: لا في الكتب الدينية، ولا في الأشعار، ولا في الصلوات.
على ما يبدو، وضعها أحد تلاميذ الحاخام كوك.
التوقيت، من شبه اليقين، كان في موعد ما في الأربعينيات من القرن الماضي.
في عهد المحرقة، حين كان للشعب اليهودي أسباب كثيرة للخوف والطريق كانت طويلة على نحو مخيف.
في الحرب الحالية، أصبحت هذه العبارة عندي على الأقل، أداة ناجعة لفهم وضعنا.
كل مرة يمتشق فيها أحد وزراء الحكومة والناطقين بلسانها هذه العبارة أعرف أننا في ورطة.
ما بدأ بوعد بنصر لامع، فوري، تحول بالتدريج إلى وعد بطريق طويلة.
ثمة مشكلة هنا: الحرب، حتى لو كانت عادلة، ملزمة بأن تقوم على أساس توقعات واقعية، بل إنها بحاجة إلى أهداف واضحة لا تتغير مرة كل بضع ساعات، وفقاً للمزاج أو لوضع البورصة.
نتنياهو يعود ليروي لنا أن مستوانا ارتفع: كنا قوة عظمى إقليمية وأصبحنا الآن قوة عظمى عالمية.
فهل هذا ما يهدئ روع السكان في “عراد”، وديمونا، و”ريشون لتسيون”، و”كريات شمونا”؟ غير مؤكد.
لا أدعي الحديث باسم الشعب الخالد، باسمي فقط.
لا أخاف من إيران ولا من الطريق الطويلة.
زعماء طموحون، نرجسيون، عطشى للمجد حتى التعب، يخيفونني.
يمكن التعلق ببن غوريون.
بعد أن قرر بن غوريون خطوة عسكرية وقرر الكثير منها كان جسده يتمرد عليه.
كان يقع طريح الفراش، فيما وصف كـ “نزلة برد”.
الثمن فرض رعبه عليه.
الرئيس ترامب، بالمقابل، يبدي اعتداداً بالنفس.
الحرب عنده لعبة على البليستيشن.
أما بنيامين خاصتنا الذي عرف طوال حياته السياسية بأنه لا يسارع إلى الزمان، فهو يسير وراءه طائعاً.
إسرائيل غارقة الآن في حرب على أربع جبهات: إيران، ولبنان، وغزة، والضفة.
لا وضوح حول النتائج بشأن إيران ولبنان وغزة.
شراً-لم نحقق بعد أياً من الأهداف التي وضعها نتنياهو في بداية الطريق؛ وخيراً- لم نتورط بعد في حروب لا غاية ولا نهاية لها.
الخيارات مفتوحة.
الجبهة الرابعة، “يهودا والسامرة”، التي تختبئ في الهوامش.
لكن يحصل فيها أكثر مما تقول العناوين.
الأربعاء، استدعي رئيس الأركان إلى هناك، حدث شاذ في ذروة الحرب.
الجمعة، دعي نتنياهو إلى حديث مغلق مع قادة الجيش في المنطقة من رتبة قائد لواء فما فوق.
حدث أكثر شذوذاً.
إذا لم أكن مخطئاً، فقد استدعي كاتس وبن غفير أيضاً.
الموضوع المشتعل كان اليهود، وليس العرب: الجيش الإسرائيلي مقابل الميليشيات اليهودية.
الإرهاب اليهودي في الضفة، ما يسمى “فتيان التلال”، ليس موضوعاً جديداً.
العجلة ترتبط بالهياج الذي سجل لدى القادة في الميدان.
استدعي نتنياهو للتهدئة.
القانون والنظام في المناطق ليس هما ما يفترض أن يقلقا، بل ثمة تخوفان متعارضان: التخوف من تفكك الائتلاف أمام التخوف من التفكك في الجيش.
للفوضى ثمن باهظ، وأساساً حين يأتي من فوق.
ضباط وجنود قاتلوا بلا قيود في غزة، أطلقوا النار وقتلوا وطردوا، يصبحون مهزلة وموضع هزء حين يصلون إلى “يهودا والسامرة”.
مشاغبون بالبزات وبلا بزات يرشقونهم بالحجارة، يحرقون مركباتهم، ويبصقون في وجوههم، ويجرحون ويقتلون فلسطينيين غير متورطين – ولا يمكنهم فعل أي شيء.
عندما منح نتنياهو الشرطة لبن غفير، بوساطة يريف لفين، ومنح الإدارة المدنية لسموتريتش، والاستيطان لستروك، كان واضحاً أن الانفجار سيأتي.
تعيين إسرائيل كاتس وزيراً للدفاع أغلق الزاوية الأخيرة: الميليشيات الكهانية تلقت دعاية الدولة.
أما من الجيش و”الشاباك” فنزعت الأدوات للجمهم.
لم يمل الضباط المعارضون للاحتلال وحدهم من الوضع، بل والضباط المتدينون أيضاً، من خريجي معاهد الحريديم القوميين.
وهم يتمسكون بحجة أن الحديث يدور عن بضع مئات من مخالفي القانون، وهذا كل شيء، وأن الغالبية الساحقة من المستوطنين اليهود يعارضون الإرهاب اليهودي، وأن باستطاعة مواعظ الحاخامات والمتفرغين السياسيين ورجال التعليم، لجم الظاهرة.
هذه حجة صحيحة جزئياً فقط.
مشكلتهم ليست الفتى الذي ينكل بهم، بل الوزير الذي يعطيهم السلاح والمال وكتاب التوجيه.
المشاغبون الذين يخرجون في الليالي للمس بقوات الجيش لإحراق منازل فلسطينيين وطرد قطعان وتهريب مزارعين، واثقون بأنهم يعملون بإذن وصلاحية، بتكليف من الدولة.
هم محقون.
والدليل: لا أحد يعاقبهم.
رئيس الأركان سافر إلى المنطقة وأعطى إسناداً للقادة.
كتب قائد المنطقة كتاباً لرؤساء المستوطنين.
لكنهم على حالهم: بين منتهى السبت وصباح الأحد، ارتكب اليهود المستوطنون أكثر من عشرين عملاً إرهابياً، من جنين شمالاً وحتى الخليل جنوباً.
إذا كان أحد ما في الجيش توقع إسناداً علناً من رئيس الوزراء ووزير الدفاع فهو مخطئ.
تقول النائبة من الائتلاف ليمور سون هار ميلخ، مشتكية: “قائد المنطقة الوسطى آفي بلوط وعصبته يشعلون الأرض”.
ناحوم برنياع يديعوت أحرونوت 23/3/2026.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك