ثمة دائما متعة إضافية في إعادة طرح بعض الأسئلة التقليدية، التي قد تكاشفك خلسة بقدرتها على الذهاب بك بعيدا عن مركزية السائد ورتابة المألوف.
ذلك أن متعة إعادة طرح السؤال، هي في الآن ذاته متعة تجديد الإنصات إلى ما تختزنه ذاكرة القول من خطابات.
بما تعنيه كلمة التجديد من استشراف ممكن لسرديات إبدالات لم يسبق لقبيلة الموضوع أن انتشت بمعاينتها، والتملي في تفاصيل اختلافها.
إنها -إن صح القول – إبدالات قريبة الشبه بمنعطفات تآويل لا متوقعة، مع أنها تمتلك فضلا عن ذلك ما يكفي من الصلاحية للذهاب بك إلى مقامات ومدارج، كانت تحتاج فقط إلى شرارة «إعادة الطّرح» كي تسفر عما تيسّر من طلاوة الحضور.
وتلك تحديدا هي اللحظة الاستثنائية، التي تُبدي فيها الذات رغبتها الخاصة والمتفردة، في إخضاع المسلّمات لتجربة إعادة التكوين.
يتعلق الأمر هنا بهاجس الانعتاق الكبير من تعليمات المُكرّس، والمُنتشِي بهِبات ما سيأتي، عبر مغادرة صخب الجاهز وإلزاماته.
فبِقُوة هذا الانعتاق، سيكون للذاتي أن يحظى برؤية ما كان غائبا، واستعادةِ ما كان من قبل في حكم المنسيّ واللامفكر فيه.
وهو السياق الملائم للتذكير بأن النطفة التي تخلَّق فيها، وتولّد عنها الشأن المشترك، ليست في الواقع، سوى إبدالات اهتدت إليها الذوات الضاجة بأجواء خصوصيتها وفرادتها، من أجل إعادة تأهيلها لتكون النموذج المثالي المُعَدّ تلقائيا للاندراج في حُكْم الجماعي والعام.
من هذا المنطلق، يمكن تجديد إضاءة شعرية الفِعل الإبداعي، بما هو عالَمٌ بصيغة جمع، خبير بتصعيد الرغبة في إعادة طرح السؤال، سواء لدى المبدع أو المتلقي.
ومن المؤكد أن العقود المقبلة ستكون أوفر حظا في الكشف عن المزيد من مُضمرات الشعريات الإبداعية الكبيرة، بفعل ما يتحقق تباعا من تراكمات بحثية وتأويلية، لن تتجاوز هي أيضا حدود المحاولات الأولية، للاقتراب من سديم هذا المضمر.
علما بأن إخضاعها للتحليل والتفكيك، لن يبدد بالضرورة كثافة السديم، بقدر ما سيعمق لديك الاقتناعَ باستمراريتها، بالنظر للدينامية التي تتميز بها هذه الشعريات، نتيجة التحولات الحثيثة التي تطال إواليات التناول الجمالي، سواء من جهة الخَلْق، كما من جهة التلقي.
وبالتالي، فإن المسارين سيظلان مفتوحين على تنامي إشكالياتهما الفنية والإبداعية، في علاقاتهما المتشابكة والمتداخلة، مع تفاصيل الأحوال التي تمليها منعطفات الإبداع.
وهي على العموم منعطفات محفوفة بحدوس الظاهر والباطن، المكللة بتباشير إشراقاتها، التي تظل باستمرار، عصيّة على كل توْصيف شامل وجامع، ومنذورةً أبدا لتقلباتها المسكونة بتقلبات الوقت.
تلك هي الحجب التي تتنامى بها طبقات السديم، الذي يطمئن بموجبه المضمر الشعري إلى كمونه هناك، حيث يروق للمقولات وللمفاهيم، أن تتناسخ وتتناسل، بذريعة كفايتها في الكشف الدؤوب عن أطياف ما كان من قبل سعيدا بالتِباسه وتنكُّره تحت أردِيّة السديم.
فيما تحتفظ كيمياء اللغة، وأيضا كيمياء اللون والجسد، والصوت، بسلطتها في تنشيط أرواح المفارقات.
هناك تحديدا، حيث يكون بوسع المخيلة أن تؤلّب أمزجتها على ذاكرة الحقائق، كما على ذاكرة المجازات، كي تجنح بأطيافها بعيدا عن وهم القناعات، وسراب اجتراحاتها.
وسيكون من الضروري في هذا السياق، الانتباه إلى فداحة ذلك الحد الفاصل بين أراضي الخلق الفكري والإبداعي، وأراضي اللّغْو المكلومة بعقْمها.
والتنويه هنا يخص ذلك الحدّ المأساوي الفاصل بين وجود يستمد منه الكائن حضوره الإنساني الجديرَ به، وعدمٍ مجرّد من هِبات الحضور.
وعلى قاعدة الفصْل ذاته، يمكن الحديث عن الثقل الرمزي الذي تتمتع به الأعمال الفنية والإبداعية، ودورِها الاستثنائي في البرهنة على العمق الإنساني، الذي يتميز به الكائن البشري عن غيره من الكائنات، حتى لو كانت مصنفة جِينِيّا ضمن الجنس الذي ينتمي الكائن إليه.
بدليل أن العمق الرمزي للعقل البشري، يكمن عمليا في مدى تطابق اجتراحاته العلمية والتقنية، مع إيجابيات الآفاق الإنسانية التي يتطلع الكائن إليها.
حيث يمكن القول، إن وجود العقل خارج هذا المسار الإنساني، لن يكون في نهاية المطاف سوى آلة هدم وتخريب مُغْرقة في عُدوانيتها ووحشيتها، التي يتبرأ منها الوعي الفني والإبداعي.
ومن المؤكد أن مَردّ الحظوة الاستثنائية التي يتميز بها العمل الفني ككل، تتمثل في صلب هذا الفرق، الذي يتجدد به طرح السؤال حول أصْل خصائصه الجمالية، وحول آليات اشتغالها.
ولنا في حالة الانقطاع المباغت التي يحدث أحيانا أن تعصف بملكة المبدع، فنانا كان أو كاتبا، خير دليل على مأساوية معاناته من تداعيات هذا الفقد.
كما لو أن الأمر يتعلق بانقلاب جذري ومفاجئ، في مسار الهوية الجينية للمبدع أو الفنان.
مسار موتِ ذاتٍ خلاّقة، بموازاة انبعاثٍ شرس لأخرى مصابة بأقسى حالات العقم.
هذه الهوّة الشاسعة الفاصلة بين الكيانين، هي التي تجعلنا من جديد نطرح سؤالنا الإشكالي المتعلق بمضمرات الخلق الإبداعي، خاصة حينما ترتقي بالعمل الفني أو الأدبي إلى أبهى تجلياته الفكرية والجمالية.
طبعا لسنا هنا بصدد الاحتفاء بالذات المبدعة، باعتبار أن اهتمامنا يتمحور أساسا حول رفع الالتباس عن المضمرات الثاوية خلف سحرية التجليات المستبدة بدهشتنا.
ورغم مشروعية هذا الاهتمام، إلا أن سلبياته تكمن في مراوحته الدائمة للمرجعيات ذاتها، والمختزلة عادة في ما يُتعارف عليه بطقوس الإبداع الفني والأدبي.
حيث سيكون بوسع المقاربة أن تقتني ما يطيب لها من المناهج، والمداخل، والشواهد والاستدلالات، التي تتبادل فيها الإضاءة حُزمة متنوعة من العناصر السيكولوجية والمجتمعية والمعرفية، عبر التكييف النوعي لمعطياتها، بما ينسجم وطبيعة الإملاءات التفسيرية والتأويلية، الصادرة عن هوية العمل.
وهو السياق الذي لا تتردد فيها المقاربة عن مكاشفتنا بنواياها المبيّتة، والهادفة ضمنيا إلى أن تتحول هي أيضا إلى إشكال نظري، لا يقِلّ شأنا عن نظيره المعبر عنه بالعمل الإبداعي، والذي تخلّقَت منه أمشاجُ المقاربة وأنفاسُها.
وفي اعتقادنا الراسخ أن هذا الانتقال، أو بالأحرى هذا التحول، هو الذي يؤثر بشكل مباشر في تغيير مسار المقاربة، كي تصبح في نهاية المطاف، معنية بذاتها أكثر من اهتمامها بالكشف عن المضمرات الجمالية للعمل، حيث يمكن التذكير في هذا السياق بجوهر العلاقة القائمة بين العمل الفني والأدبي، ومقارباته.
ونعني بذلك التذكير بتاريخ طويل من استناد المقاربات الجمالية في تحديث خطاباتها، على ما يفاجئنا به العمل الفني والأدبي من تحولات، بوصفه مصدر وجودها، حيث لا استمرارية لها كنوع معرفي خارج هذه العلاقة، التي يعود لها وحدها الفضل في تعدد وتنوع مساراتها النظرية، بإيعاز من تقلب أحوال العمل.
إنها، وفي ظل هذا المعطى، تتمكن من هندسة حدودها الخاصة بها، تمكُّنَها في الآن ذاته، من ترسيم لغاتِها وتقنين مداخل خطاباتها، مكتسبة بذلك مواصفات نوع أدبي، يوحي للمتحمسين له باستقلال إو الياته، وهوما ينكره جملة وتفصيلا تاريخ علاقتها بالعمل، الذي يعود إليه الفضل وحده في إطلاق غير قليل من المدارات الفكرية والفلسفية، من أجل صرف الاهتمام عن مضمراته البنائية، الحريصة على الاحتجاب خلف سديم عالمها.
ولن يفوتنا في هذا السياق التنويه ولو على سبيل الإضاءة العابرة، بظاهرة محايثة تحتاج في حد ذاتها إلى تناول خاص، ومفادها استناد الكثير من الأعمال في إنشاء عوالمها إلى القوانين الفنية والإبداعية، الواردة في هذه المقاربات، كي تختصر بذلك، مسافة البحث والسؤال، المفضيين إلى أفق التحديث والاختلاف.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك