غافلت الرفوف الأولى، وشرعت في التقدم إلى الداخل خطوة، وإن أثقلت الخطو النظرات والعبرات، قلبت الصفحة، شدني كتاب ينتصب في جبهة الواجهة، يكاد يخرقها من ثقل، لم أقرأ عنوانه ولم أركز على جوانيته، الكتاب يوحي بسر دفين، كأن يكون في دفتيه مسموم كـ «اسم الوردة» التي تسمت كي تتفرد عن جنسها، فيه أنوثة مباغتة وليونة جامحة.
ارتجفت وسرت الرعشة في جسدي حتى سبلت عينيَّ، كأن هناك من يقول إن الكتاب محض مفاهيم أو كائنات خيالية، لكنه امرأة تنهض من نعاسها لتبثه في: أيها القارئ حي على القراءة، حي على الفلاح، واعلم أنه لا يوجد بيننا، إلا ما يمكن استخلاص مثال نافع منه.
كنت أعرف من أمي: أن من يبتلى بالقراءة يدفن حيا، لهذا لم أصخ السمع، انحرفت بوجهي، لكن إغواء غرس في صدري، يشدني إلى ما لا أحب، في زاوية المشهد علامة في الظل للضلال، كتيب رشيق يرمقني، عارف بارتباكاتي والهواجس التي تجتاحني، عندئذ اختلست النفس من الغواية اندلفت في غمار «قورينا»، حيث تلقفني صاحبها غضبا من تكاسلي وترددي: تفضل يا أستاذ؟
سنارة صادت الذهول والطيش وأخواتهما، تشبث بيقين واهٍ وهو يطلب كتاب تاريخ القراءة، وكان من المرة السابقة قد تدرب على كيفية التعامل مع صاحب المكتبة، لهذا أكمل: تأليف آلبرتو مانغويل والناشر دار الساقي وهو من الكتب الجديدة للمكتبة، زم البائع وهو يتجه ناحية رف ليسحب نسخة من المطلوب، طار طائر الخطاف وحط في سفح يده، داعب ريشه وجسه ولم يكن يريد تقليبه، شعر أنه لو فعل ذلك لهجر الطائر قفص الزجاج ونقر صدره، واتخذه عشا ومأوى حتى يعم طوفان النسيان، المنسي في طين القراءة، وأن هناك من تمكن بعد مؤالفة الأحرف بصورة صحيحة، خلق عجل عمره ثلاث سنوات وتعشى به.
ارتكن ركنا يؤالف الحروف، حيث ارتكن قبلا «عبد الرحمن بدوي» أستاذ الفلسفة بالجامعة الليبية، ممسكا بكتاب ليلتهم العجل في قعدته تلك، ثم يعيد الكتاب لصاحب قورينا صاحبه «عبد المولى لنقي» ليس لشم رائحة الشواء تدفع النقود، كذا شده هذا المشهد في صباه، وهو يقف بعيدا متحيرا من وله هؤلاء بالكتب.
في الركينة، فيما خطر له وما تداعي، لم يكن ليظن أبدا أن القراءة تعني الاقتراب من شيء، هو قيد الصيرورة أو كما ظن «إيتالو كالفينو»، وأن التاريخ الحقيقي للقراءة هو في الواقع تاريخ كل قارئ مع القراءة، وفي معزله ذلك ارتاب في أن هذا فخا، وأن الطائر الذي بين يديه طعوم، وأن الوراق كان أبدا أمهر صائد، ألم يأسر بألف ليلة وليلة كل ليالي ما صاده؟ ، ألم تكن شهرزاد حلاوة الروح والرمق الأخير لكل شهريار، هوية كل قارئ، الذي لا يقرأ بالمعنى الحرفي للكلمة، بل إنه يقوم بإنشاء معنى لما يقرأ.
خال نفسه في حلقة، وأنه عريفها، وأن فقيه الكتَاب غائب، أخذته العزة، أخذا في تلاوة أسفاره، لكنه في حقيقته كان الكائن المنطوي على نفسه، المنغمس في كتاب.
هل سكن في مكمنه ميت الحواس بعد أسره، سيسأل القارئ الحصيف؟ ، سيجيبه: كل حب مبتدأه شغف في الابتعاد، وخبره أننا نتحسس جنسنا بالافتراق تبيان الفرق، لم يَحتل ولم يُحتل عليه فكل قراءة قفص زجاج.
هل طالته التحولات ما تطول كل قارئ: المنسي في الطين أم صاحب قورينا يستدرجه، كي يستلذ طائره فيكون من مريدي بضاعته ومن زبانية مربعه؟ ، تأول وقفته مستنجدا بفصاحة المتصوفة، وجع في الرأس والحروف ضرب من دفوف، انغرس في مربضه وانشق نبع من المعاني.
ليس من أحواله أن يتصبب عرقه وينشف ريقه، حتى عندما علقت عيناه بأول صبية، ذات فنجاني العسل، لم يحصل أن خض حليب ركبه، وأن شخصت عيناه وانتابه بله، هو لم يكن ليس بقارئ، لكنه طالع بعض صفيحات من كتب، خال أن المكان تأنث وبات يعول عليه، طلع البدر من ثنيات الورق، فتصفح الوجه البدري، وهالته قامة مارلين مونرو: أمنا حواء الثانية تلحس الخجل وتبث خلاعة، تشيع جسدها وطراوتها، وسلاسة المرأة المطواعة، الراغبة أبدا في أن تكون أنثى، هائجة مهيجة مترعة بالشهوة وشهية.
تؤكد أن كل كتاب حقيقي مغناج وشهواني، وان تطرز ببرودة العقل فهو في حريق.
اشتعلت شهوته للاستزادة، في صمت وهدوء لا تسمع فيه الأذن ما تنطق به الشفاه، يقرأ بهمس، تتحرك خلاله الشفاه دون صدور أية أصوات: تاريخ القراءة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك