لم يكن العيد عيداً هذه السنة، لا يمكن أن يكون كذلك للسبب البديهي لحرب الإبادة المستمرة على غزة، لتلك الحرب الغاشمة التي تدور فوق رؤوسنا في إقليمنا المتعب من القريب ومن البعيد، لهذا الموت الذي يحوم فوق رؤوس الأطفال تحديداً، لاستتباب الأمر لهذا الإنسان الغريب خارق الشر والذي يحكم ويتحكم بأصابعه الضخمة المسترخية على أزرار القنابل النووية، لكل ذلك وأكثر، ولكن العيد ليس عيداً هذه السنة لسبب شخصي كذلك، سبب صبغ الدنيا سواداً وأشعل في القلب حزناً عميقاً وخوفاً ناصعاً، وندماً وألماً لا معنى أو تبرير لهما.
ولأن الشخصي في نفوسنا البشرية الغريبة ينعكس على العام بل وأحياناً يلتهمه ويستبد به، يبدو لي أن وجع عائلتي الذي هو وجعي الشخصي، هو ما يسيطر على الوجع العام ويلهمه ويصبغه، كم هي صغيرة رؤيتي وكم هو كبير الوجع المتراكم بين عام وخاص!فقدنا أول يوم العيد صديق زوجي الصدوق، الأقرب إلى قلبه منذ كان في مقتبل العمر، أخاه وأخي وجاراً لنا على مدى ما يقرب من الست عشرة سنة، وأباً لشابين هما ابنان لنا، وإخوان لأبنائنا.
أتى هذا الفقد سريعاً كلمحة برق غير متوقعة، صاعقاً كشحنة كهربائية مفاجئة، حاداً وقاطعاً كسكين حاد على جلد رقيق.
كنت قد بادلته السلام قبلها بأيام في حديقة بيتنا إبان زيارته الأسبوعية لديوانية زوجي، بدا مكتمل الصحة وإن ارتسمت لمحة هدوء حزينة على وجهه، لمحة متوقعة مرتسِمة على وجوهنا جميعاً منذ أن أقحمتنا أمريكا في هذه الحرب التي لا ناقة لنا فيها ولا بعير، والتي استُدرجَت خلالها إيران لتعادي جيرانها، مؤدية إليهم ضربة كلما صوبت أمريكا باتجاهها، وكأنها لا تدرك أنها تؤمِّن الخطة الأمريكية وتوفي عز طلب إسرائيل.
كنت قد زهوت للتو بفستان طويل مليء بورد القرنفل متعدد الألوان، والذي كنت أخفيه جديداً في دولابي لأمرح به، مرح طفلة اختفت منذ زمن بعيد، في أول أيام العيد.
كنت قد قررت أن أترك القلق جانباً في هذا اليوم، وأن أرتدي هذا الفستان السعيد بوروده، وأحتفي بأول أيام العيد مبتعدة ولو لبرهة عن المؤقتية التي باتت تحكم أيامنا منذ أن بدأت تلك الحرب الغاشمة على إقليمنا.
لأيام طويلة، بدا كل شيء مؤقتاً، قلقاً، محتقناً، المحاضرات عن بعد مؤقتة، الخروجات سريعة محتقنة، النوم ليلاً مشحوناً بإصاخة قلقة للسمع تمنياً ألا نسمع صوت التفجير وصفارات الإنذار السابقة واللاحقة له.
بدا لي يوم العيد وكأنه بداية جديدة لسبب ما، بداية قررتها أنا، سأكون أقل قلقاً وسأكون أكثر مرحاً، وسأبدو أكثر زهواً بفستاني المنقوش بالورد.
وقبل أن أحتسي رشفة من كوب قهوتي الذي ضيفتني إياه عمتي والتي تستقبلنا دائماً أول أيام العيد، وصلني هذا الاتصال المرتجف الباكي، محمود انتقل إلى رحمة الله.
أي محمود؟ سألت زوجي.
يصمت وكأنه يتحاشى أن يتهمني بالبله.
سرعان ما تبدل الفستان الأبيض المليء بالورد بفستان أسود، وسرعان ما امتلأ اليوم الذي كان يفترض أن يفيض بالضحكات والخروجات والتبضع، بالبكاء والنشيج والأحضان الحارة المرتجفة وكأننا نتوارى بها بعضنا عن بعض، وبتلك الكلمة التي باتت تنزلق على شفاهنا بشيء من البلاهة الخائفة: كيف حدث ذلك؟عرفنا لاحقاً أن محمود توفي نائماً في سريره، بلا ضجة، بلا سبب.
غادر محمود هادئاً كما عاش هادئاً، منكفئاً على نفسه، منطوياً على صَحب قليل وأقرباء أقل.
اجتمعنا ليلاً بعد يوم طويل بحزنه في منزل عائلة زوجي، فمحمود صديق لكل هذه العائلة وأب لشابين هما حجرا أساس فيها.
بصحبة أفراد العائلة، انتظرت عودة زوجي بعد ذلك اليوم الشاق المليء بمراسم الغسل والتكفين واستخراج الأوراق المصاحبة لها.
لم أستطع أن أنظر في عينيه حين دخل علينا، ولم ينظر في عيني، إنما استلقى مباشرة على كتفي ناحباً بصوت مكتوم.
استولى عليّ رعب مهول، أخذني ندم وتأنيب ضمير شديدان طالما اختبرتهما بسبب أو من دونه في الشدائد كلها، فأنا من النوع الذي يلوم نفسه على كل حدث في الدنيا، ويندم على «كل ما كان يمكن أن يكون لو أن هناك فرصة لأن ربما يقدم شيئاً» وما فعل.
ولأنني بشر غاية في الأنانية، استبد بي ذلك الرعب النرجسي، رعب دنو الخطر، لقد اقترب الموت لمسافة أقرب مما ينبغي، تجرأ فمد مخلبه لأطيب «الرَّبِع»، كما يسمي الأصدقاء بعضهم بعضاً في منطقة الخليج، تمادى فسحب صديقاً من جنبينا، سرقه في لحظة، خلسة، دون أدنى احترام لفرصته التي لم تكتمل بعد تماماً في الحياة، لطبيعية وروتينية حياتنا نحن أو مراعاة لما يستبد بها مؤخراً من مخلفات القصف وآثاره.
بلا أدنى اهتمام من هذه الدنيا ودون أي سابق إنذار، ضَرَبنا فقْدٌ لم يكن ليخطر على البال، أي وقاحة يمتلك الموت؟هذا عالم لا يحتمل الطيبيين، لا مكان فيه للهادئين المستكنين لحياتهم، الأصح أنه عالم لا مكان فيه لأحد مطلقاً، عالم عبثي سخيف يلتقطنا واحداً تلو الآخر وكأنه يتسلى بفجعنا.
أحياناً، هو يسحبنا جماعة، كما سحب أطفال غزة عشرات بعد عشرات في ذات الساعات من الزمن، ليتصلوا بآلاف من الأطفال في غضون ثلاث سنوات، وكما سحب طفلة إيرانية في الكويت في تفجير إجرامي هبط ليقتنص، ويا للمفارقة! طفلة إيرانية بصاروخ إيراني، وكما سحب أطفالاً في العراق واليمن وسوريا والسودان وأوكرانيا، وغيرها من بقاع الدنيا، التي يستهدف الموت أول ما يستهدف الأطفال والأنقياء فيها.
وهكذا انقضت أيام العيد في عزاء، ودارت أيامه في بكاء ودموع، وكأن الموت أتى لسرقة فسحة حاولنا أن نسرقها من الزمن والمجرمين القائمين عليه.
يستبد بي خوف ساحق أن لربما لن يأتي وقت فستان القرنفل في أي زمن قريب، أن لربما أصبح الخوف والحزن يليقان بنا أكثر ولدينا هكذا أعداء وهكذا أصدقاء؛ فلا العدوّ لديه شرف خصومة، ولا الصديق لديه حصافة الصداقة.
وفي لحظة وصولي إلى هذا السطر من هذا المقال، ارتج بيتنا بأكمله، وتصاعدت سحابة كثيفة من الدخان من موقع مطار الكويت الذي يمكننا أن نراه من منزلنا.
أكتب لكم وأنا أرى اللهب يتصاعد من بعيد، وكأنه يلتهم أحشائي ويأتي على كل مشاعري في التو واللحظة.
فداك الروح يا كويت، وليحرق الله أكباد أعدائك.
ووداعاً محمود، تركت خلفك القلق والحزن والقهر وسنوات طويلة كان يفترض بك أن تحياها.
ارقد بسلام.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك