ليست كرة القدم مجرد لعبة تحسم بنتيجة، بل هي منظومة قيم تختبر فيها العدالة قبل المهارة، ويقاس فيها نضج المؤسسات قبل قدرات اللاعبين.
وفي الدوري السوري الممتاز، يبدو أن الصافرة باتت أحياناً أعلى من صوت الكرة، لا لأنها أكثر حضوراً، بل لأنها أكثر إثارة للجدل.
أزمة تتجاوز أخطاء التحكيمما يحدث اليوم لا يمكن اختزاله في أخطاء تحكيمية عابرة، فالأخطاء جزء من طبيعة اللعبة حتى في أكثر الدوريات تقدماً.
لكن الإشكالية الأعمق تكمن في تراكم هذه الأخطاء ضمن بيئة تفتقر إلى أدوات التصحيح والتطوير، ما يحوّل الخطأ من حالة عابرة إلى ظاهرة مقلقة.
وهنا تتجلى المفارقة: دوري يلقّب بـ" المحترفين"، بينما كثير من تفاصيله لا تزال أسيرة الهواية، إن لم نقل الارتجال.
منظومة مختلة.
الحكم ليس المشكلة وحدهمن السهل توجيه أصابع الاتهام نحو الحكام وحدهم، لكن الحقيقة أكثر تعقيداً.
فالحكم ليس كائناً معزولاً عن السياق، بل هو نتاج منظومة كاملة: إعداد، تدريب، دعم نفسي، حماية أمنية، وتكنولوجيا مساعدة.
وعندما تغيب هذه العناصر أو تضعف، يصبح الحكم الحلقة الأضعف في سلسلة يفترض أن تكون متماسكة.
الاتحاد الكروي الجديد يجد نفسه في مواجهة إرث ثقيل وضغوط جماهيرية متزايدة، وهو وإن كان غير مسؤول بالكامل عمّا آلت إليه الأمور، إلا أنه المعني الأول بإحداث التحول.
فالمسؤولية هنا ليست امتيازاً، بل التزاماً أخلاقياً ومؤسساتياً يفرض عليه إعادة تعريف معنى الإدارة الرياضية في بلد يطمح للعودة إلى واجهة المنافسة.
في المقابل، لا يمكن تجاهل أن الملاعب نفسها تعاني من خلل بنيوي: ضعف التنظيم، غياب بيئة آمنة، تراجع التنسيق بين الجهات المعنية، وحتى غياب أبسط مقومات احترام اللعبة، من حماية الحكام إلى تنظيم أماكن الإعلاميين.
وكأن المباراة تدار في فراغ، لا في فضاء يفترض أن يكون محكوماً بقواعد واضحة.
التقنية والإصلاح: خطوات ناقصةأما عن تقنية الفيديو (VAR)، فهي ليست عصاً سحرية، لكنها خطوة في اتجاه تقليص الأخطاء وتعزيز الثقة.
غير أن إدخالها لا يقتصر على شراء أجهزة، بل يتطلب تأهيلاً عميقاً للعقول قبل الأدوات، وإرادة حقيقية لترسيخ مبدأ العدالة لا تجميل صورته.
إن رفع أجور الحكام وتطوير برامج التدريب خطوات إيجابية، لكنها تبقى غير كافية إن لم تُستكمل برؤية شاملة تعيد الاعتبار للتحكيم كركيزة لا كعبء.
فالحكم، كالمهاجم وحارس المرمى، يخطئ ويصيب، لكن الفارق أن خطأه يفسَّر أحياناً كاتهام، لا كجزء من لعبة بشرية.
في النهاية، المسألة ليست في صافرة أخطأت، بل في منظومة تحتاج إلى إعادة بناء.
كرة القدم السورية اليوم أمام مفترق طرق: إما أن تتحول إلى مشروع احترافي حقيقي، أو تبقى أسيرة مسمّى لا يعكس واقعها.
وبين هذا وذاك، تبقى العدالة في الملعب هي الاختبار الأصعب.
والأكثر إلحاحاً.
موقع تلفزيون سوريا تواصل مع رئيس لجنة الحكام في اتحاد الكرة محمد الغادري والذي أكد في معرض حديثه: نعم، هناك أخطاء، بل وأخطاء مؤثرة.
، لا يمكن التعامل معه كتصريح عابر، بل كمدخلٍ ضروري لفهم أعمق لأزمة التحكيم في الكرة السورية.
فالاعتراف هنا ليس ضعفاً، بل بداية طريق، طريق يدرك أن الصافرة لم تعد مجرد أداة لإدارة المباراة، بل صارت محوراً يختبر مصداقية المسابقة بكاملها.
الغادري يضع يده على الجرح حين يتحدث عن تحديات الإمكانات والدعم الفني والتقني، مشيراً في الوقت ذاته إلى وجود كفاءات واعدة.
وهنا تتجلى المفارقة المؤلمة: الطاقات موجودة، لكن البيئة الحاضنة لا تزال قاصرة عن إطلاقها بالشكل الأمثل.
وكأن التحكيم السوري يقف عند عتبة الإمكان، دون أن يُمنح فرصة العبور إلى الفعل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك