إيلاف من بيروت: خيّم الحزن على الأوساط الرسمية والشعبية والفنية في لبنان إثر غياب الفنان اللبناني الملتزم أحمد قعبور، الذي طبع بصوته وألحانه ذاكرة أجيال كاملة.
وفي تعبير عن حجم الخسارة الوطنية، أعرب رئيس الجمهورية اللبنانية، العماد جوزيف عون، عن حزنه العميق لرحيل قعبور، واصفاً إياه بأنه كان" مرآة بيروت ووجدانها ونبض شوارعها".
وفي بيان نعي وجداني مؤثر، استلهم الرئيس عون عناوين أبرز أعمال الراحل ليرثيه قائلاً إن الصوت الذي يشبه الناس قد غاب، وغاب من غنّى" الأرض ستبقى"، فصار الوطن أقرب، وخفّ وجع بيروت التي تناديكم.
وتطرق رئيس الجمهورية إلى الارتباط الوثيق بين فن قعبور والجغرافيا اللبنانية المقاومة، مضيفاً أنه رحل من حمل الجنوب في قلبه، وجعل الليطاني نهراً من ذاكرة، يمرّ على النبطية ويطلّ على الخيام، ويزرع فينا معنى البقاء.
وختم الرئيس عون بيانه بالتأكيد على أن رحيل قعبور يتجاوز كونه غياباً لشخصية فنية، معتبراً أن خسارته هي انكسار لنغمة كانت تجمع اللبنانيين وتهمس دائماً بأن في هذا الوطن متسع للأمل، داعياً بالرحمة للراحل وأن يبقى إرثه الفني منارة للأجيال وشاهداً على زمن من الفن الأصيل.
ولم يكن أحمد قعبور مجرد مغنٍ أو ملحن عابر في تاريخ الفن اللبناني والعربي، بل كان ظاهرة فنية ملتزمة ارتبطت عضوياً بقضايا الأرض والإنسان والمقاومة.
وُلد قعبور في التاسع من تموز (يوليو) عام 1955 في العاصمة اللبنانية بيروت، ضمن عائلة متشربة بالموسيقى، إذ كان والده محمود الرشيدي من أوائل عازفي آلة الكمان في لبنان.
وقد قاده شغفه المبكر بالفن إلى دراسة المسرح، ليتخرج في معهد الفنون الجميلة بالجامعة اللبنانية أواخر السبعينيات، في مرحلة شهدت تحولات سياسية كبرى صقلت وعيه الفني.
وشكّل اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 منعطفاً حاسماً في مسيرته، حين وقع بين يديه ديوان للشاعر الفلسطيني توفيق زيّاد.
ولحّن قعبور، الذي كان حينها في العشرين من عمره، قصيدة" أناديكم، أشد على أياديكم"، لتتحول الأغنية بسرعة قياسية إلى نشيد وطني للمقاومة، وأيقونة عابرة للحدود رددتها حناجر الملايين في العالم العربي.
وقد أسس من خلال هذه الانطلاقة مدرسة فنية قائمة على الانحياز المطلق للناس، مقدماً باقة من الأغنيات الخالدة التي عكست هموم الطبقة العاملة والفقراء مثل" نحنا الناس"، و" يا رايح صوب بلادي"، و" علو البيارق"، و" يا نبض الضفة"، فضلاً عن أغنياته التي جسدت علاقته العميقة بمدينته بيروت.
وإلى جانب الغناء السياسي والوطني، امتدت إسهامات قعبور لتشمل عالم الطفولة عبر تلحين مئات الأغاني وتقديم أعمال لمسرح الدمى اللبناني.
كما وضع الموسيقى التصويرية للعديد من المسلسلات الدرامية والتاريخية، وشارك كممثل في أعمال سينمائية هامة أبرزها فيلم" ناجي العلي" عام 1992.
كما ارتبطت ألحانه وابتهالاته الشعبية بذاكرة شهر رمضان في الوجدان البيروتي.
ليرحل اليوم تاركاً إرثاً كبيراً من الاستقلالية والالتزام، ومحافظاً على صورته كفنان جعل من حنجرته وطناً يتسع للجميع ورفض الارتهان للمال السياسي على مدى عقود.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك