لم يعد ارتفاع الأسعار في سوريا مجرّد حدثٍ طارئ، بل أصبح واقعاً يومياً يُثقل كاهل المواطنين ويقوّض قدرتهم على تأمين أبسط احتياجاتهم، فالمواد التي كانت في مُتناول الجميع، مثل الفروج واللحوم، تحوّلت إلى كماليّات، مع تصاعد التكاليف وتراجع الدخول، ما كشف أزمة مركّبة تتداخل فيها عوامل الإنتاج، والسياسات الاقتصادية، وتقلّبات السوق، لتترك المستهلك أمام خيارات محدودة وأسئلة عديدة حول أسباب الغلاء وسبل معالجته.
وقد شهدت أسعار الفروج واللحوم في سوريا ارتفاعاً غير مسبوق، إذ تراوح سعر كيلو الفروج بين 32 و40 ألف ليرة، في وقت انخفضت فيه كميات الإنتاج نتيجة خروج عدد كبير من المُربّين من السوق بسبب الخسائر وارتفاع تكاليف الأعلاف والطاقة.
هذا التراجع انعكس مباشرة على حركة السوق، مع انخفاض العرض وتراجع الطلب، ما دفع بعض الباعة إلى الإغلاق أو البيع بخسارة، وسط جدل حول سياسات الاستيراد السابقة التي أفرغت الأسواق من المنافسة وأغرقتها بالفروج المُجمّد، قبل أن تنقلب المعادلة لاحقاً مع تراجع الإنتاج المحلي وقرارات التصدير المُثيرة للجدل.
وسط هذا الواقع، برزت حملات المُقاطعة الشعبيّة كأداة ضغط احتجاجيّة، إلا أن تأثيرها على الأسعار يبقى محدوداً، وقد يُعمّق الأزمة في بعض الحالات من خلال قطع أرزاق أصحاب المحال والمطاعم الصغيرة.
ويؤكّد الخُبراء أن الحلّ الحقيقي يكمن في معالجة جذور المشكلة، من خلال وقف الاستيراد، وتشجيع الإنتاج المحلي عبر دعم المُربّين، وتنظيم القطاع بشكل يُحقّق توازناً مُستداماً بين العرض والطّلب ويُعيد القدرة الشرائيّة للمواطنين.
وكانت اللجنة الوطنية للاستيراد والتصدير، أصدرت يوم الخميس 26 آذار الفائت، قرارين منفصلين بتمديد العمل بالقرار المتضمن السماح باستيراد بيض الفقس وصوص التربية، وفروج الريش، لغاية الـ 30 من نيسان الجاري، بهدف تنظيم استيراد مستلزمات قطاع الدواجن، وضمان استقرار السوق المحلية واستمرار الحاجة إلى دعم التوازن في توفر مدخلات الإنتاج.
حملة مُقاطعة الدّجاج تتصاعد وتُحقّق استجابة واسعةتشهد عدة مناطق في سوريا تفاعلاً ملحوظاً مع حملة شعبية تدعو إلى مقاطعة شراء الدجاج ومشتقاته لمدة عشرة أيام، وذلك احتجاجاً على الارتفاع الكبير وغير المبرر في الأسعار، وبحسب ناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي، فقد تجاوزت نسبة الالتزام بالحملة 80 بالمئة، مع تسجيل انخفاض واضح في حركة الشراء وإقبال ضعيف على محال بيع الدجاج والمطاعم المرتبطة به، بما في ذلك محال الشاورما التي بدت شبه خالية من الزبائن.
ويُؤكد القائمون على الحملة أن الهدف الرئيسي يتمثل في خفض الطلب للضغط على التجار وإجبارهم على إعادة النظر في الأسعار، خاصة في ظل موجة الغلاء التي تطال مختلف المواد الغذائية الأساسية.
وتُشير تقديرات متداولة إلى تراجع سعر طن الدجاج بنحو 800 دولار أميركي، في مؤشر أوّلي على تأثير المقاطعة، وتراوحت الأسعار الأخيرة قبل الحملة بين 2.
9 دولار للفروج الكامل، و5.
6 دولارات لصدور الدجاج، وسط دعوات للاستمرار في حملة المقاطعة الالتزام مع توقعات بتمديدها أو توسيعها لتشمل سلعاً أخرى في حال استمرار ارتفاع الأسعار.
دعوات لعدم الانخداع بالعروض التّجاريّةمع اتّساع نطاق الحملة، حذّر ناشطون من محاولات بعض المحال والمطاعم الالتفاف على المقاطعة عبر طرح عروض ترويجية مؤقتة على وجبات الفروج والشاورما، مؤكدين أن الهدف من الحملة ليس الاستفادة من تخفيضات آنيّة، بل الضّغط المُستمر لخفض الأسعار بشكل حقيقي ومُستدام، مشيرين إلى أن هذه العروض تُستخدم كوسيلة لامتصاص غضب المستهلكين وإعادة تنشيط الطلب.
وتداولت صفحات محلية إعلانات تقدم وجبات متنوعة بأسعار مخفضة، شملت الفروج المشوي والبروستد، ووجبات الشاورما، إضافة إلى أصناف مشاوي وكُبّة بأسعار متفاوتة، في محاولة لجذب الزبائن وكسر حالة الركود.
جدل حول مقاطعة الدواجن في سورياتشهد منصّات التّواصل الاجتماعي، خاصّة" فيسبوك"، حالة من الجدل المُتصاعد بين السوريين، مع توجيه الاتّهامات إلى بعض أصحاب المداجن بالمُبالغة في تبرير الغلاء عبر الحديث عن ارتفاع أسعار العلف والمازوت والصيصان، في حين يشير آخرون إلى أن التكلفة الفعلية أقل بكثير مما يُعلن عنه.
ويستند مُطلقو الحملات على طبيعة سرعة التّلف لهذه المنتجات، ما يجعل الامتناع عن شرائها أكثر فاعلية على السوق، خاصة إذا شملت شرائح واسعة من المستهلكين، كما يطرح البعض توسيع المقاطعة لاحقاً لتشمل منتجات الألبان والأجبان، ضمن خطة تدريجيّة لإعادة التّوازن للأسعار.
وشكّك بعض مستخدمي" فيسبوك" في جدوى هذه الحملات، مشيرين إلى تجارب سابقة لم تحقق نتائج ملموسة بسبب ضعف الالتزام الشعبي، وأكدوا أن نجاح أي مقاطعة يعتمد على وحدة الموقف والتزام الغالبية بها، بينما أشار مؤيّدون للحملة إلى التّوقف الفعلي عن شراء الفروج منذ فترات سابقة، داعين الآخرين إلى خُطوات مُماثلة لتحقيق تأثير ملموس.
وطالب المشاركون الجهات الحكومية بتكثيف الرّقابة التموينية وفرض تسعيرة واضحة وملزمة، إلى جانب محاسبة المخالفين وتشديد العقوبات بحق من يثبت تورطه في التلاعب بالأسعار أو تلقي الرشاوى.
كما طُرحت مقترحات بإنشاء قنوات مباشرة لتلقي شكاوى المواطنين والإبلاغ عن المخالفات.
بالمقابل، ناشد أحد أصحاب مطاعم الشاورما المعروفة القائمين على حملة مقاطعة الفروج بإعادة النظر في هذا السلوك من خلال تغريدة قال فيها: " لا تحاربونا بأرزاقنا.
خافوا الله فينا"، داعياً لإعادة النظر من قبل الحكومة بهذا السلوك من قبل المستهلكين، الذي يؤدي إلى قطع أرزاق أصحاب المطاعم والعاملين بها.
ارتفاع أسعار الفروج يدفع السوريين للبحث عن بدائلاضطر العديد من المواطنين السوريين لمقاطعة الفروج والبحث عن بدائل أقل كلفة، لتأمين احتياجات أُسرهم الغذائية، وسط تراجع ملحوظ في حركة البيع منذ شهر رمضان وحتى اليوم.
وترواحت أسعار أجزاء الفروج بين 32 و96 ألف ليرة، مع تسجيل بعض الزيادات الإضافية التي وصلت إلى نحو 15 ألف ليرة، ما جعلها خارج متناول الأسر ذات الدخل المحدود.
يروي الموظف حامد الرفاعي من دمشق لموقع تلفزيون سوريا معاناته الشهرية في تحقيق التوازن بين دخله الشهري الذي لم يعد كافياً لتغطية احتياجات أسرته الأساسية، وبين ارتفاع الأسعار، مبيناً أن فكرة المقاطعة قائمة من دون دعوات وسط تدني الدخول الشهرية للموظفين وقلة فرص العمل للشباب.
أما مروة سليمان من دمشق وهي أم لأربعة أطفال، تصف واقع السوق والأسعار بأنه ليس بالجديد، أمام صعوبة الحصول على أقل متطلبات الحياة لها ولأسرتها، مضيفة في حديثها معنا: اضطررت للابتعاد عن شراء الفروج والاعتماد على بدائل أرخص كما هو حال غالبية الأسر السورية، وسط الضغوط الاقتصادية على الفقراء ومحدودي الدخل.
من جهته، دعا الشاب هيثم الأكرمي وهو طالب جامعي المعنيين إلى ضبط الأسعار ووضع حد لهذه الزيادات، مشيراً إلى أن فكرة المقاطعة قد تنفع في تخفيف الطلب لكنها قد تساهم في قطع أرزاق أصحاب المحال والعاملين، إلا أنها باتت الوسيلة الوحيدة للتعامل مع أزمة الأسعار وسط غياب الرقابة التموينية.
المُقاطعة مُؤشّر احتجاجي والحل في معالجة كلفة الإنتاجفي حديثه لموقع تلفزيون سوريا، قدّم الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي تحليلاً لأزمة ارتفاع أسعار الفروج، معتبراً أن حملات المُقاطعة تعكس حالة احتجاج شعبية مفهومة، لكنها تبقى أداة ذات تأثير محدود ما لم تُعالج جذور المشكلة.
وأوضح قوشجي أن الضّغوط الناتجة عن المُقاطعة، تقع غالباً على باعة المفرق، في حين أن السبب الحقيقي يكمن في ارتفاع تكاليف الإنتاج، وعلى رأسها الأعلاف المستوردة كالذّرة والصّويا المرتبطة بتقلّبات سعر الصّرف، إضافة إلى ارتفاع تكاليف الطاقة والتدفئة اللازمة للمداجن، كما أشار إلى أن خروج عدد كبير من المُربّين من السوق أدى إلى تراجع العرض، ما ساهم في تفاقم الأزمة.
ولفت قوشجي إلى أن منع استيراد الفروج المُجمّد، رغم هدفه حماية المنتج المحلي، ألغى عاملاً مهماً في ضبط الأسعار، يتمثل بالمُنافسة الخارجية، ما جعل السوق أكثر عرضة للتقلبات.
وضمن هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي أن المُقاطعة قد تنجح في لفت الانتباه إلى الخلل القائم، لكنها لا تمثل حلّاً مُستداماً، مشدداً على ضرورة تبنّي سياسات اقتصادية شاملة تبدأ بدعم مدخلات الإنتاج، وتنظيم الاستيراد بشكل تكميلي، إلى جانب إعادة تفعيل المداجن المتوقفة عبر تسهيلات ائتمانية، بما يضمن استقرار العرض والأسعار على المدى الطويل.
بين التّفسير الرّسمي وتأثير المُقاطعةأوضح رئيس لجنة الدواجن في اتحاد الغرف الزراعية السورية، نزار سعد الدين في حديث خاص لموقع تلفزيون سوريا أسباب ارتفاع أسعار الفروج خلال الفترة الماضية، مُرجعاً بداية الأزمة إلى ما قبل شهر رمضان بنحو سبعة أشهر، حين تكبّد المُربُّون خسائر كبيرة نتيجة دخول الدجاج المُجمّد إلى الأسواق بأسعار أقل من كلفة الإنتاج، ما دفع العديد منهم إلى التوقف عن التربية.
وأشار سعد الدين إلى أنه جرى التحذير حينها من حدوث فجوة في السوق في حال استمرار الاستيراد، وهو ما انعكس لاحقاً بارتفاع الأسعار مع حلول رمضان، بالتزامن مع زيادة الطلب واتجاه المُستهلكين إلى الفروج كبديل أقل كلفة من بعض الخضار نتيجة ارتفاع أسعارها، إضافة إلى قيام الجمعيات الخيرية بتوزيع كميات كبيرة قُدّرت بأكثر من 250 ألف فروج، ما أثّر على حجم المعروض في الأسواق.
وفي تعليق منه على حملة المُقاطعة، اعتبر رئيس لجنة الدواجن في اتحاد الغرف الزراعية السورية أن تراجع الأسعار لا يعود إليها بشكل مباشر، بل إلى عوامل موسمية تتمثل بانخفاض الطلب بين عيدي الفطر والأضحى، إضافة إلى قرارات حكومية سمحت باستيراد الفروج الرّيش لزيادة العرض وتحقيق التوازن في السوق، مبيناً أن ارتفاع الأسعار في فترات سابقة أسهم في تحسين أرباح المُربّين، ما يشجعهم على العودة للإنتاج وزيادة الكميات، الأمر الذي ينعكس لاحقاً على انخفاض الأسعار.
ويعكس هذا الطرح وجهة نظر رسمية تركز على آليات العرض والطلب، في مقابل رواية شعبية تعزو التراجع الأخير في الأسعار إلى فعالية المقاطعة واتساع الالتزام بها.
أزمة مُركبّة بين الكُلف والسياسات وتقلّّبات السوقمن جهته، طالب رئيس اتحاد غرف الصناعة السورية مازن ديروان بفتح باب استيراد الفروج ومستلزمات إنتاجه بالكامل وإعفائها من الرسوم، لخفض الكلفة وتعزيز التنافسية، وأكّد ضرورة إقامة سوق حرّة بلا احتكار تحمي المستهلك، محذّراً من حماية المُنتجين غير الكفؤين، ومشدداً على أن دور الدولة يقتصر على إزالة العوائق أمام الإنتاج لا دعم كارتيلات تستغل السوق.
وبدوره، حذّر رئيس جمعية المطاعم والمقاهي في دمشق وريفها والقنيطرة من أن الدعوات لمقاطعة الفروج قد تعمّق الأزمة بدلاً من حلّها، مُعتبراً أن المشكلة الأساسية لا ترتبط بالمطاعم أو باعة المفرّق، بل بغياب التنظيم في قطاع تربية الدواجن وما يرافقه من تقلبات حادة في العرض والطلب.
ونبّه إلى أن استمرار المقاطعة قد ينعكس سلباً على قطاع المطاعم عبر تراجع المبيعات وارتفاع تكاليف التشغيل، ما قد يدفع لاحقاً إلى زيادة أسعار الوجبات، مشيراً إلى أن الحل يكمن في تنظيم الإنتاج ودعم القطاع لا في تقليص الاستهلاك.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك