أثار المستشار الألماني فريدريش ميرتس استنكار المنظمات غير الحكومية ووزراء في حكومته بعد أن دعا الغالبية الساحقة من السوريين الذين يعيشون في ألمانيا" للعودة إلى بلدهم".
أطلق المستشار الألماني هذه التصريحات خلال زيارة الرئيس السوري، أحمد الشرع، إلى برلين، يوم الإثنين.
ويذكر بأن ميرتس انتخب خلال العام الفائت بعد تعهده بوضع حد قاس للهجرة، سعياً منه لهزيمة اليمين المتطرف.
وبعد أن شرح بأن أولوية برلين فيما يخص عمليات الترحيل تتركز على إعادة السوريين الذين ارتكبوا جرائم، ذكر ميرتس بأنه سيتعاون مع الشرع على المدى الطويل لتنفيذ عمليات إعادة على نطاق أوسع من ألمانيا التي استقبلت أكبر جالية من السوريين في الاتحاد الأوروبي.
وتعليقاً على ذلك قال ميرتس: " سيعود 80% من السوريين المقيمين في ألمانيا حالياً إلى بلدهم على مدى أبعد يمتد للسنوات الثلاث القادمة، وتلك أمنية الرئيس الشرع" معللاً ذلك بضرورة إعادة بناء بلدهم التي دمرتها الحرب.
لم يؤكد الشرع الهدف من إعادة 80% من بين أكثر من 900 ألف مواطن سوري مسجلين في ألمانيا حتى عام 2026، ويبدو بأن هذا العدد فاجأ المسؤولين السياسيين في برلين.
" سنواجه تحدياً في حال عودتهم"وبشكل ضمني، اتهمت أنكه ريلينغر نائبة زعيم الحزب الديمقراطي الاجتماعي المشارك في الحكم حالياً، المستشار ميرتس بتحوله إلى ألعوبة بين يدي حزب البديل من أجل ألمانيا المعادي للهجرة والإسلام، وذلك عبر تحديده لهدف في عمليات الترحيل حتى عام 2029، أي في العام نفسه الذي ستعقد انتخابات عامة في ألمانيا، وهذا ما دفعها للتصريح عبر صحيفة مجموعة فونكه الإعلامية: " لم تكن خطوة رشيدة من طرف المستشار أن يضع أرقاماً محددة ضمن أطر زمنية معينة، لأن ذلك يرفع سقف توقعات لن يتمكن من تحقيقها".
بيد أن ريلينغر أعربت عن تفهمها لدعوة الشرع أبناء وبنات جلدته لمساعدته في إعادة بناء البلد، وقالت: " لكن كثيراً من السوريين والسوريات أصبحوا اليوم إخوتنا في الوطن، بعد أن اندمجوا هنا، وزاولوا مهناً لدينا نقص فيها، واعتنوا بكبار السن، أو قادوا الحافلات، ومعظمهم أصبحوا مواطنين ألمانيين".
يذكر أن قرابة 244 ألف مواطن ومواطنة سوريين حصلوا على جواز السفر الألماني خلال الفترة ما بين 2016-2024، وتمثل تلك الفئة أكبر فئة عدداً بين المجنسين حديثاً.
كما ظهرت انتقادات أخرى من داخل حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي المحافظ الذي ينتمي إليه ميرتس، فقد وصف رودريش كيزيفيتر، المتحدث باسم الحزب في السياسة الخارجية، تلك الأرقام التي أوردها المستشار بأنها: " إشكالية من عدة نواح"، مؤكداً بأن حزب البديل من أجل ألمانيا قد يستغل أي وعد لم يتحقق، كما تحدث عن الدور الذي لعبه العاملون السوريون المهرة في الاقتصاد الألماني، وقال عنهم لصحيفة هاندلسبلات الاقتصادية: " سنواجه تحدياً في حال عودتهم".
من جانبه، أكد الاتحاد الألماني للمستشفيات الذي يمثل مصالح هذا القطاع، على" الأهمية الكبيرة" للأطباء والطبيبات السوريين، بما أن 5745 طبيباً وطبيبة سوريين يعملون في العيادات والمشافي الألمانية، ويمثل ذلك أكبر عدد للأطباء الأجانب في البلد، كما هنالك ألفا سوري وسورية يعملون في مجال الرعاية، وقالت هنرييت نوماير نائبة رئيس هذا الاتحاد بأنه: " في حال ترتب على العاملين المهرة الرحيل عن البلد مجدداً، فإن ذلك سيخلف ضرراً كبيراً على قطاع الرعاية الصحية".
في حين وصفت فرانتسيسكا برانتنر، الرئيسة المشاركة لحزب الخضر المعارض، هدف ميرتس بإعادة اللاجئين بأنه" متهور"، وقالت: " بالنسبة لكثير من الناس، فإن العودة إلى سوريا ليست خياراً على الإطلاق"، مشيرةً إلى المخاطر الأمنية وانعدام ثقة أغلب السوريين بمسار الانتقال السياسي.
كما ندّدت زميلتها في الحزب، النائبة لويزه أمتسبرغ، بتصريحات ميرتس ووصفتها بأنها" مخزية".
ونظراً لعدم استقرار سوريا حتى الآن، ولوجود مخاطر تهدد الأقليات فيها، دعت المنظمة المناصرة للهجرة برو أسيل لإنهاء الترحيل إلى سوريا بشكل فوري، وطالبت بسياسة هجرة" لا تسترشد بحالة الردع قصيرة الأمد، بل تسترشد بحقوق الإنسان والحماية والاستقرار على المدى البعيد".
تولى ميرتس منصبه في أيار الماضي ضمن حكومة ائتلافية مع الحزب الاشتراكي الديمقراطي من يسار الوسط، وتعهد بالخروج على النهج الذي كان الأشد ترحيباً بفتح الحدود والذي وضعته المستشارة السابقة أنجيلا ميركل من الحزب الديمقراطي المسيحي.
يذكر أن ميركل التي حكمت ألمانيا لمدة 16 عاماً، حتى 2021، سمحت لنحو مليون وثلاثمئة ألف إنسان فروا من الحروب والقمع في عموم الشرق الأوسط وأفغانستان بدخول ألمانيا خلال الفترة ما بين عامي 2015-2016.
حظيت تلك الخطوة بدعم شعبي كبير وقتئذ، لكنها أدت في نهاية الأمر إلى ظهور انتقادات لاذعة اقتات عليها حزب البديل من أجل ألمانيا على الصعيد السياسي، فأضحى اليوم أكبر حزب معارض في هذا البلد.
اعترف ميرتس بأن معظم السوريين الذين وصلوا إلى الدولة التي كانت تتصدر السلم الاقتصادي في أوروبا أيام ميركل، قدموا إسهامات مهمة للمجتمع الألماني، لكنه ذكر بأن معظمهم بات يرغب بالعودة اليوم إلى بلده بعد الإطاحة بنظام الأسد.
وتشير الإحصائيات الرسمية إلى أن أكثر من ثلاثة آلاف وسبعمئة سورياً وسوريةً قد عادوا طوعاً من ألمانيا إلى بلدهم وذلك حتى تشرين الثاني من عام 2025، في حين ذكر خبراء بأن عمليات الترحيل القسري تعترض سبيلها عادة عقبات قانونية تستغرق وقتاً طويلاً.
وفي مواجهة تلك الانتقادات، بدا ميرتس كمن تراجع عن الهدف الذي حدده يوم الثلاثاء، إذ نقلت على لسانه صحيفة بيلد الألمانية قوله: " إن الرئيس السوري هو الذي حدد نسبة 80% من العائدين في غضون ثلاث سنوات، فراعينا هذا العدد، مع معرفتنا لحجم المهمة" [الملقاة على عاتقهم].

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك