حين يتحدث رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن مضيق هرمز بوصفه ممرا يمكن تجاوزه، ويطرح أفكارا لنقل الطاقة من الخليج إلى البحر المتوسط بعيدا عن هذا الممر، فهو لا يقدم تعليقا عابرا على الحرب، بل يلمح إلى اتجاه مختلف في التفكير بالجغرافيا.
الفكرة هنا تتجاوز حماية الممرات إلى تقليل الاعتماد عليها، بل وربما البحث عن طرق أخرى للالتفاف والاستغناء عنها بالكامل.
إن الممرات التي ارتبطت لعقود بتدفق النفط والتجارة وسلاسل الإمداد، يجري التعامل معها اليوم كخيارات قابلة للاستبدال.
وهذا بحد ذاته تحول مهم؛ لأن السيطرة لم تعد مرتبطة فقط بتأمين الطريق، بل بالقدرة على إيجاد طريق بديل.
رغم ما يُطرح- كما في تصريحات بنيامين نتنياهو- حول إمكانية تجاوز مضيق هرمز عبر مسارات بديلة لنقل الطاقة، فإن المشهد في عمقه يبدو أكثر تعقيدا.
فالمضيق لا يحمل النفط فقط، بل يمر عبره أيضا تدفق آخر لا يقل أهمية، وربما أكثر حساسية: الكابلات البحرية التي تنقل الإنترنت، وتشكل العمود الفقري لحركة البيانات العالمية.
تتضح هذه الصورة أكثر عند النظر إلى البنية الفعلية للكابلات في المنطقة.
إذ تشير بيانات" Submarine Cable Map" إلى مرور سبعة كابلات رئيسية عبر الخليج، ومضيق هرمز، من بينها" فالكون"، و" SeaMeWe-6″، و" TGN-Gulf"، و" AAE-1".
وبعض هذه الكابلات لا يمرّ مرة واحدة، بل يعبر المضيق أكثر من مرة وفي اتجاهات مختلفة، ضمن مساحة جغرافية ضيقة، ما يزيد من تأثرها في حال أي اضطراب.
لا شك أن أهمية مضيق هرمز لا تتعلق فقط بما يمر فوق سطحه، بل بما يجري في عمقه أيضا.
فالمخاطر لم تعد محصورة في تعطل إمدادات النفط، بل تشمل احتمال اضطراب تدفق البيانات، وهو ما يمنح هذه المنطقة حساسية تتجاوز بُعدها التقليدي.
يعكس هذا الواقع تحولا أوسع في كيفية فهم أهمية الممرات، إذ لم تعد تُقاس فقط بحجم النفط أو حركة التجارة، بل بكمية الكابلات التي تعبرها، وتحمل عبرها تدفقات البيانات.
ومن هنا يتضح الارتباط بين مضيق هرمز، والبحر الأحمر، حيث تتقاطع مسارات الطاقة مع مسارات المعلومات، ضمن خريطة واحدة، تتشكل فيها معادلات النفوذ بشكل جديد.
في هذا السياق، لا تكمن المسألة فقط حول إيجاد بدائل، بل حول فهم أعمق لطبيعة الاعتماد نفسه.
فحتى مع تعدد المسارات وتغير الطرق، تبقى الحاجة إلى الممرات قائمة؛ لأن ما يتحرك ليس مجرد نفط أو بضائع، بل شبكة مترابطة من المصالح والأنظمة التي يصعب فصلها، أو إعادة توزيعها بالكامل.
بالتالي، فإن تصاعد الحديث عن تجاوز الممرات بدل التركيز على حمايتها، يظهر مفارقة واضحة: كل محاولة للالتفاف على هذه الطرق الملاحية تقود إلى مسارات جديدة تحمل المخاطر نفسها، وإن بدت أكثر أمنا في ظاهرها.
فالتغيير هنا لا يلغي المشكلة، بل يعيد توزيعها على خريطة أوسع.
المقاربة لا تكمن هنا في النقاش حول أهمية مضيق هرمز من عدمه، بل في حدود القدرة على التحرر من الممرات التي يقوم عليها هذا الترابط.
حتى مع الأطروحات التي تدعو إلى تجاوز هذه الممرات- كما في طرح بنيامين نتنياهو- يبقى الواقع أكثر تعقيدا مما يبدو.
فمحاولات الالتفاف لا تلغي هذه الطرق الملاحية، بل تعيد إنتاجها في مواقع أخرى، وبصيغ أقل وضوحا، لكنها تحتفظ بالقابلية ذاتها للتعثر.
وعليه، لا يتغير جوهر القيود، بل مواقعها وطبيعتها.
وهنا تتضح المفارقة التي بدأ بها المشهد: يمكن التفكير في طرق بديلة- كما توحي تصريحات بنيامين نتنياهو حول إمكانية تجاوز مضيق هرمز- لكن يصعب القفز على ما تقوم عليه هذه الطرق.
فالقضية لا ترتبط بالمسارات نفسها، بل بالقدرة على إبقاء التدفق المرئي منه وغير المرئي، مستمرا دون انقطاع.
لا تتعلق المسألة بعدد الطرق أو البدائل التي يمكن رسمها على الخريطة، بل بطبيعة هذا الترابط الذي يقوم عليه النظام العالمي.
فالممرات قد تتغير، والمسارات قد تُعاد صياغتها، لكن الاعتماد عليها لا يختفي.
كل محاولة لتقليل الاستناد إلى نقطة بعينها تنتهي غالبا بإعادة إنتاجه في نقطة أخرى، ربما أبعد جغرافيا، لكنها لا تقل حساسية أو قابلية للتأثر.
ما تكشفه هذه اللحظة- بكل ما تحمله من توتر وتصريحات وأطروحات- أن التفكير في تجاوز الممرات لا يعني الخروج من نطاقها، بل الانتقال داخلها بصيغ جديدة.
فالتدفق الذي يقوم عليه هذا العالم، سواء كان نفطا أو بيانات، لا يحتمل الانقطاع، ولا يمكن فصله عن الجغرافيا التي تحمله.
وعند أي خلل، حتى لو بدا محدودا، يتضح سريعا أن الترابط الذي يمنح هذا النظام قوته، هو نفسه ما يجعله عرضة للاهتزاز.
من هنا، لا تبدو المشكلة في وجود هذه الممرات، بل في حدود القدرة على الاستغناء عنها.
إذ يمكن تغيير الطرق، وإعادة رسم الخطوط، لكن لا يمكن إلغاء الحاجة إلى نقاط العبور ذاتها.
وفي لحظة كهذه، تتكشف الصورة ببساطة: هرمز ليس مجرد ممر يمكن تجاوزه، بل هو تعبير عن جغرافيا أوسع تحكم حركة العالم.
عودٌ على بدء؛ يبقى الواقع أبسط وأوضح من كل التصورات.
فالممرات قد يعاد رسمها، والمسارات قد تتغير، لكن الجغرافيا التي تقوم عليها لا تختفي.
وهرمز، في النهاية، جغرافيا لا تضيق، ولا يمكن تجاوزها، مهما حلم نتنياهو!

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك