في أحد بيوت حي الدويلعة في دمشق، يبدأ النهار كما في كثير من أيام الصوم، دون تغيير كبير في شكل المائدة.
تضع أم فادي الزعتر في طبق صغير، وتسكب زيت الزيتون إلى جانبه، وتوزّع الخبز وكاسات الشاي الصغيرة على الطاولة التي اعتادت هذا النوع من الطعام منذ سنوات.
المشهد يبدو مألوفاً، بسيطاً، لا يحمل الكثير من التبدل مقارنة بما كان عليه الصوم في السابق.
تقول وهي ترتّب الأطباق بهدوء إن هذا الطعام لم يعد فقط جزءاً من الالتزام الديني، بل أصبح أيضاً خياراً عملياً يتماشى مع الواقع اليومي: " الصيام بيوفّر علينا حق اللحمة والجاج".
تتوقف قليلاً، ثم تضيف: " منقضيا زعتر وزيت.
ونحن رضيانين وألف الحمد لله" في هذه التفاصيل البسيطة، لا يبدو أن الصوم تغيّر كثيراً من الخارج.
الطقوس اليومية ما تزال كما هي، والأطباق نفسها تُحضَّر، والمائدة لا تزال تُفرش بالطريقة ذاتها.
لكن التغيير الحقيقي لا يظهر هنا، في الأيام العادية التي تشبه بعضها، بل يتسلل بهدوء إلى تلك اللحظات القليلة التي كانت تحمل طابعاً مختلفاً داخل الصوم، الأيام التي كان يُفترض أن تكون استثناءً، فأصبحت تشبه غيرها.
عيد البشارة.
من السمك إلى السردينفي عيد البشارة، كانت المائدة تخرج عن روتين الصيام النباتي، ولو ليوم واحد فقط، يوم ينتظره أفراد العائلة لأنه يحمل اختلافاً واضحاً عن باقي أيام الصوم، ليس فقط في المعنى الديني، بل في شكل الطعام نفسه.
كان السمك يُحضَّر خصيصاً لهذه المناسبة، ويُقدَّم بوصفه استثناءً داخل فترة طويلة من الامتناع، فتجتمع العائلة حول طبق مختلف قليلاً، وتشعر أن هذا اليوم له طعمه الخاص.
تقول أم فادي إن هذا التفصيل البسيط كان كافياً ليصنع فرقاً واضحاً: " كنا ننتظر هذا اليوم حتى نطبخ سمك"، لكن هذا الفرق لم يعد ممكناً كما كان، إذ تتغير المائدة اليوم بهدوء كنتيجة للواقع المفروض.
تتحدث بنبرة واقعية أكثر مما هي حزينة: " أسعار السمك مرتفعة كثيراً.
ليس باستطاعتنا أكل السمك".
ومع ذلك، لا يُلغى الطقس بالكامل، بل يُعاد تشكيله بما هو متاح.
تقول: " صار لنا كذا سنة منستعيض عنه بالسردين".
في ذلك اليوم، تُفتح علب السردين وتوضع على الطاولة نفسها التي اعتادت الزعتر والزيت، وتجتمع العائلة لتناولها معاً، ليس لأن هذا الخيار يشبه ما كان يُحضَّر سابقاً، بل لأنه أقرب ما يمكن إلى الفكرة التي لا يريدون التخلي عنها.
" مناكل سردين بس لنشارك بهالعيد"، تقول، وكأن المشاركة هنا لا تتعلق بالطعام نفسه، بل بما يمثّله.
بهذا الشكل، لا يختفي الطقس، ولا يبقى كما هو تماماً، بل يتغيّر بصمت، ويصبح الحفاظ عليه محاولة يومية للتكيّف، حيث يبقى المعنى ثابتاً قدر الإمكان، بينما تتبدل تفاصيله الصغيرة التي كانت تمنحه طعمه الخاص.
في أحد الشعانين، كانت الشموع جزءاً أساسياً من المشهد، حيث يدخل الصغار إلى الكنيسة بثيابهم الجديدة، يحمل كل واحد منهم شمعة مزيّنة بعناية، تتدلّى منها شرائط ملوّنة وأشكال صغيرة، في مشهد يختلط فيه الفرح بالطقس الديني.
تُمسك الشمعة بيد الطفل طوال الصلاة، ثم تُحمل إلى البيت بعد انتهاء القداس، لتبقى هناك كذكرى لتلك السنة تحديداً، شيء صغير يحتفظ به، لكنه يحمل معنى أكبر من حجمه.
تستعيد ميشلين هذه التفاصيل كما لو أنها مشهد واضح لا يزال يتكرر في ذاكرتها، وتقول: " زمان، كنا نشتري كل عام شمعة جديدة للطفل".
كان الأمر جزءاً من طقس سنوي يتكرر بشكل طبيعي، حيث ترتبط كل سنة بشمعتها، وكل طفل يحتفظ بما يحمله من تلك المناسبة.
لكن هذا التفصيل، مثل غيره، تغيّر بهدوء مع الوقت.
تقول: " هلق الطفل بيحمل نفس الشمعة كذا سنة" ثم تتابع موضحة كيف أصبح التعامل مع هذه الشموع مختلفاً: " وأحياناً ما بيشغلوها كتير.
لحتى تبقى لأخوه الأصغر".
بهذا الشكل، لم تعد الشمعة مرتبطة بسنة واحدة كما كانت، بل أصبحت شيئاً يُحافَظ عليه ويُستخدم بحذر، ينتقل من طفل إلى آخر داخل العائلة، كأنها لم تعد مجرد رمز للاحتفال، بل قطعة يجب أن تدوم لأكثر من مناسبة.
الطقس ما يزال موجوداً، والأطفال ما يزالون يحملون الشموع في الشعانين، لكن العلاقة معها تغيّرت، فلم تعد مرتبطة بفكرة التجديد السنوي، بل بفكرة الاستمرار بما هو متاح، حتى لو فقدت الشمعة شيئاً من بريقها الأول.
في ذاكرة فريال، لم تكن طقوس الشعانين والفصح تقتصر على الصلوات أو التجمعات، بل كانت تبدأ من تفصيل يبدو بسيطاً لكنه كان يحمل معنى خاصاً لدى الأطفال: الملابس الجديدة.
كانت العائلات تحرص على أن يكون لكل مناسبة حضورها المختلف، حتى في ما يرتديه الصغار، فتقول: " كانوا يشتروا للأطفال ملابس للشعانين وملابس للعيد".
مشيرةً إلى أن عيد الشعانين يرتدي فيه الأطفال اللون الأبيض بينما يرتدون في الفصح ثياباً ملونة، هذا التفصيل، الذي كان جزءاً من ذاكرة العيد، لم يعد ثابتاً كما كان.
تقول فريال اليوم لموقع تلفزيون سوريا بنبرة واقعية أكثر مما هي مستغربة: " أغلب الأسر تكتفي ببدل واحدة لأطفالهم ويمكن ما يشتروا ولا بدل".
تشرح: " سعر ألبسة الأطفال خيالي.
ممكن الطقم يوصل لـ900 ألف ليرة"، ثم تصمت، وكأن الرقم وحده كفيل بشرح كل شيء.
في ظل هذه الكلفة، تصبح فكرة شراء ملابس جديدة لكل مناسبة أمراً بعيداً عن متناول كثير من العائلات، فيتحول العيد تدريجياً من مساحة لإضافة شيء جديد، إلى محاولة للحفاظ على ما هو موجود.
في بيت أم الياس، كانت طقوس الفصح تبدأ قبل العيد بأيام، وكأن التحضير له بحد ذاته جزء من الاحتفال، لا يقل أهمية عن يوم العيد نفسه.
تتحدث عن تلك الأيام وكأنها مشهد متكامل: مطبخ مليء بالحركة، أطفال يلتفون حول الطاولة، وأصوات ضحك تختلط برائحة البيض المسلوق.
" كنا نسلق كرتونتين بيض"، تقول، " يعني تقريباً 60 بيضة"، وكأن الرقم بحد ذاته يحمل دلالة على حجم المشاركة والفرح الذي كان يرافق هذه العادة.
كان الأطفال يلونون البيض بأيديهم، كل واحد يحاول أن يجعل صنيعته أجمل من الأخرى، ثم يحملونها بفخر، يقدمونها للضيوف أو يتباهون بها أمام أطفال الحي.
" كان في منافسة مين بيطلع البيض تبعه أجمل"، تقول، مستعيدة تلك التفاصيل التي كانت تجعل من الطقس لعبة واحتفالاً في الوقت نفسه.
اليوم، تغيّرت الصورة بهدوء، من دون أن تختفي تماماً، لكنها لم تعد كما كانت.
" أولادي الآن يا دوب يسلقوا كم بيضة لأولادهم"، تقول، والفرق هنا لا يُقاس بالعدد فقط، بل بحجم المشهد الذي تقلّص معه.
الهدف الآن أن يبقى الطقس موجوداً ولو بأبسط أشكاله، كنوع من الحفاظ على ما يمكن الحفاظ عليه.
ثم تضيف جملة تختصر هذا التحول كله: " مو بس المصاري قلّت.
الناس كمان قلّت، ما عاد في ضيوف متل قبل أغلب الأقارب والأصدقاء سافروا".
الطقوس باقية لكن بشكل آخرلا أحد من هؤلاء يتحدث عن التخلي عن الطقوس، وكأن هذا الخيار غير مطروح أساساً.
الجميع ما يزال يصوم، يذهب إلى الكنيسة، يحتفل بما يستطيع، ويتمسك بهذه التفاصيل بوصفها جزءاً من حياته، لا يمكن الاستغناء عنه حتى في أصعب الظروف.
لكن تغير الحالة الاقتصادية لا يظهر في العناوين الكبيرة، بل في التفاصيل الصغيرة التي كانت تشكّل ملامح هذه الطقوس، تفاصيل تتبدل بهدوء، من دون إعلان، لكنها تترك أثرها الواضح في شكل الحياة اليومية:

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك