مع سقوط النظام المخلوع أواخر 2025، دخلت البلاد مرحلة انتقالية معقّدة اتسمت بمحاولات إعادة تشكيل مؤسسات الدولة وفتح قنوات تواصل حذرة مع الخارج، بما في ذلك دول أوروبية كانت حتى وقت قريب تتبنى سياسة قطيعة شبه كاملة.
ورغم هذا التحوّل السياسي، لم تترجم الانفراجة بشكل مباشر على ملف اللاجئين، إذ اتجهت عدة دول أوروبية وفي مقدمتها ألمانيا، إلى تجميد أو إعادة تقييم بعض قرارات اللجوء، وتشديد إجراءات الإقامة، بذريعة" تغيّر الظروف" في سوريا من دون حسم مسألة الأمان والاستقرار بشكل نهائي.
هذا التباين بين خطاب سياسي يتحدث عن" مرحلة جديدة" في سوريا، وسياسات أوروبية أكثر تشددًا على الأرض، خلق حالة ضبابية لدى اللاجئين السوريين، الذين وجدوا أنفسهم عالقين بين بلدٍ لم تتضح معالم استقراره بعد، ودول لجوء لم تعد تمنح اليقين القانوني ذاته.
ورغم ذلك اختار جزء من هؤلاء اللاجئين البقاء في أوروبا، في قرار لا يمكن تفسيره فقط بالوضع الأمني في سوريا، بل يرتبط أيضًا باعتبارات أعمق، مثل الاندماج الذي تحقق، والمسارات المهنية والتعليمية، وحجم الكلفة التي دُفعت للوصول.
في هذا السياق تأتي زيارة أحمد الشرع إلى ألمانيا كمؤشر على انفتاح سياسي محدود بين الطرفين، لكنها في الوقت ذاته تطرح تساؤلات لدى اللاجئين، هل تعكس هذه الخطوة تحولًا فعليًا يمكن أن ينعكس على حياتهم وقراراتهم، أم أنها تبقى ضمن إطار سياسي لا يغيّر كثيرًا من حسابات البقاء أو العودة في المدى القريب.
بين رفض اللجوء واستحالة العودةيواجه معاوية عليان، وهو طالب لجوء وصل إلى ألمانيا قبل عامين وثلاثة أشهر، قرارًا برفض طلبه وترحيله، في وقت يؤكد فيه أن خيار البقاء لم يعد مرتبطًا فقط بالإجراءات القانونية، بل بواقع معيشـي معقّد في سوريا.
ويوضح في حديثه لموقع تلفزيون سوريا أن الأجور في سوريا ما تزال متدنية، إذ تتراوح بين 200 و300 دولار، مقابل تكاليف معيشة مرتفعة تقترب من المستويات الأوروبية، مشيرًا إلى أن إيجار المنزل قد يعادل الراتب الشهري أو يتجاوزه، فضلًا عن أعباء الكهرباء والفواتير وغلاء الأسعار.
ويضيف أن حتى المنتجات المحلية لم تعد بمنأى عن تقلبات الأسعار، إذ تتأثر بشكل مباشر بأي توتر إقليمي، لافتًا إلى الارتفاع الكبير في أسعار الخضراوات، بما فيها البندورة، التي تحولت إلى مثال متداول على الغلاء.
ورغم ذلك يؤكد عليان أن الرغبة في العودة تبقى حاضرة لدى الجميع، غير أن الواقع لا يسمح بذلك، خاصة في ظل صعوبات الحياة في أوروبا أيضًا، حيث يصف شعور الغربة بأنه دائم، إلى جانب غياب الحياة الاجتماعية التي يفتقدها السوريون في المجتمعات الأوروبية.
وفي سياق متصل، يلفت إلى أن تشديد سياسات اللجوء مؤخرًا شكّل صدمة لكثير من السوريين، خصوصًا أولئك الذين دفعوا أثمانًا باهظة للوصول إلى أوروبا، من بيع ممتلكاتهم والاستدانة، إلى خوض مخاطر" رحلة الموت".
ويرى عليان أن هناك حاجة لمقاربات أكثر إنصافًا، حتى في حال استمرار التشدد، من خلال تقديم دعم حقيقي لمن تُرفض طلباتهم، بما يتيح لهم العودة بكرامة وإعادة بناء حياتهم، بدلًا من تركهم في حالة من الخسارة واليأس، كما يؤكد أن كثيرًا من السوريين اليوم يعيشون حالة إحباط واضحة، نتيجة غياب الاستقرار القانوني وتراكم الخسائر.
وفيما يتعلق بالتحركات السياسية، يعتبر أن زيارة أحمد الشرع إلى ألمانيا منحت السوريين شعورًا إيجابيًا بوجود دولة تمثلهم وتطرح قضاياهم، إلا أن قرار العودة، برأيه، يبقى مرهونًا بعاملين أساسيين، الاستقرار الأمني وتحسن الوضع الاقتصادي في سوريا، ويختم بالقول" إن تحقق هذين الشرطين هو ما سيجعل العودة خيارًا واقعيًا، بعد أن ظلت لسنوات مجرد أمنية مؤجلة".
في مقابل من يرون في أوروبا محطة استقرار طويلة، يتعامل آخرون مع تجربة اللجوء بوصفها مرحلة انتقالية تفرضها الظروف، بانتظار خيارات أفضل في أماكن أخرى، وبين تعقيدات الإقامة وضبابية المستقبل تتشكل قرارات البقاء أو المغادرة وفق اعتبارات شخصية ومادية متغيرة.
يقول باسل، وهو شاب سوري يقيم في ألمانيا منذ نحو عامين وفضّل عدم الكشف عن اسمه الكامل، إن استمراره في أوروبا حاليًا يرتبط بجملة من المسؤوليات الشخصية والمالية، من بينها إنهاء التزامات عالقة والعمل على ترميم منزل عائلته بعد نزوحها إلى مخيمات الشمال السوري.
موضحًا أنه رغم ذلك، يفكر مستقبلًا بالانتقال إلى تركيا، باعتبارها خيارًا أكثر مرونة من حيث الحصول على الأوراق وفرص العمل مقارنة بالوضع الحالي.
ويشير إلى أن السياسات الحالية تؤثر سلبًا على شعوره بالاستقرار، فتصاريح العمل المؤقتة، إلى جانب التأخير المستمر في معاملات مكتب الأجانب، تجعل حياته اليومية غير مستقرة ومليئة بالضغوط النفسية، ويضيف قائلًا" وجودي في أوروبا مرحلة مؤقتة، إلى حين تحسن ظروفي أو توفر فرصة أفضل في مكان آخر يحقق لي استقرارًا أكبر".
ويربط باسل قراره بعدم العودة إلى سوريا بعدة عوامل، أبرزها تدهور الوضع المعيشي، إلى جانب طموحه بالاستقرار في تركيا، فضلًا عن التزامات اجتماعية وعائلية، مؤكدًا أن وجوده خارج سوريا يتيح له دعم أسرته بشكل أفضل، وهو ما لا يستطيع تحقيقه في حال العودة.
وفيما يتعلق بالتحركات السياسية، يوضح أن زيارة أحمد الشرع إلى ألمانيا لا تحمل تأثيرًا على قراره الشخصي في الوقت الراهن.
في حالات عديدة، لا يرتبط قرار البقاء في أوروبا بالواقع الاقتصادي فقط، بل يتداخل مع مسارات تعليمية وطموحات شخصية تشكّلت خلال سنوات اللجوء، ومع الوقت يصبح التراجع عنها أكثر صعوبة، حتى مع تغيّر الظروف في البلد الأم.
تقول هيفاء، التي وصلت إلى ألمانيا قبل نحو عامين برفقة عائلتها، إنها غادرت سوريا قبل تقديم امتحان البكالوريا، لتبدأ رحلة جديدة لم تكن سهلة حتى تمكنت من متابعة تعليمها.
وتوضح لموقع تلفزيون سوريا أن ما يدفعها اليوم للبقاء لا يقتصر على سوء الوضع الاقتصادي في سوريا، وهو العامل الرئيسي الذي يمنع عائلتها من العودة، بل يرتبط أيضًا برغبتها في إكمال دراستها الجامعية في ألمانيا، بعد الجهود الكبيرة التي بذلتها للوصول إلى هذه المرحلة.
من جانبها، تشير والدتها نائلة إلى أن الاستقرار في ألمانيا ما يزال نسبيًا، قائلة إن وضعهم" ليس مستقرًا بالكامل"، إلا أن العودة إلى سوريا لا تبدو خيارًا أفضل في الوقت الحالي.
وتضيف أن سقوط النظام شكّل تحولًا مهمًا، لكنه لم ينعكس بعد على الواقع المعيشي، الذي ما يزال صعبًا، مؤكدة: " لم يعد لدينا طاقة لتحمّل الظروف هناك"، في إشارة إلى الأعباء الاقتصادية التي ما تزال تثقل كاهل العائلات.
في موازاة التحولات السياسية في سوريا، تشهد سياسات اللجوء الأوروبية تجاه السوريين مرحلة مراجعة دقيقة، تتداخل فيها الاعتبارات القانونية مع الضغوط السياسية الداخلية، هذه المرحلة لا تعني تغييرًا جذريًا في الموقف القانوني، بقدر ما تعكس توجّهًا نحو التشدد وإعادة التقييم.
يوضح الخبير القانوني معتصم الكيلاني، أن أوروبا دخلت بالفعل مرحلة" إعادة تقييم حذرة" بعد سقوط النظام البائد، من دون الوصول إلى حسم قانوني نهائي، فبينما تتصاعد الضغوط داخل عدد من الدول الأوروبية لتقليص أعداد اللاجئين، خاصة مع تنامي نفوذ اليمين المتطرف، انعكس ذلك في تجميد بعض طلبات اللجوء، وإبطاء البت فيها، وتراجع نسب القبول.
ومع ذلك، لا تزال المؤسسات الأوروبية تصنّف سوريا كبلد" غير مستقر رغم بعض التحسن"، ما يعني أن الحماية لم تُسحب بشكل شامل، بل انتقل التعامل مع الملفات من منح شبه تلقائي إلى تقييمات فردية أكثر تشددًا.
ويستند جزء كبير من قرارات الرفض أو سحب الإقامة إلى مبدأ" زوال أسباب اللجوء"، الذي يتيح قانونيًا إعادة النظر في الحماية إذا اعتُبر أن الظروف التي دفعت إلى اللجوء لم تعد قائمة، إلا أن تطبيق هذا المبدأ يتطلب أن يكون التغير في بلد الأصل جوهريًا ومستقرًا ودائمًا، وهو ما لا يزال موضع جدل في الحالة السورية، ما يجعل كثيرًا من هذه القرارات قابلة للطعن القضائي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك