حين تمرّ بالمجتمعات أزمات، اقتصاديّة كانت أم صحّيّة أم أمنيّة، تزداد الحاجة إلى التضامن والتكافل بوصفهما وسيلةً لحماية المجتمع من الاضطراب والتفكّك.
ولا يقتصر هذا المعنى على الجانب الأخلاقيّ؛ بل تؤصّله الشريعة ضمن رؤية علميّة مقصديّة تقوم على: إسنادِ الأمر إلى أهل الاختصاص، والتثبّتِ من الأخبار، ومواجهةُ الإرجاف والتثبيط.
أوّلًا: التكافل في ميزان مقاصد الشريعةيلتقي ترسيخ التضامن مع المقصد الأعلى للشريعة في حفظ الضروريات التي تقوم عليها حياة الناس، وهي: الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال.
ولذلك كان التكافل مسارًا عمليًّا لحماية المجتمع عند تعرّضه للأزمات.
ثانيًا: التأصيل القرآنيّ للتضامن والتكافلأرشد القرآن إلى قواعد جامعة تؤسّس للتكافل، منها التعاون على الخير: " وتعاونوا على البرّ والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان".
والتضامن المطلوب ليس اندفاعًا عاطفيًا، بل هو تعاونٌ منضبطٌ بالبرّ والعدل.
أيضا الأخوّة والإصلاح: " إنّما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم"، حيث يبدأ تماسك المجتمع بإصلاح ذات البين ومنع التنازع الذي يفتّت القوّة الداخليّة وقت الشدّة.
أيضا الإيثار عند الضيق: " ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة"، وهو أعلى صور التضامن حين تتحوّل الحاجة العامّة إلى دافع للبذل لا للأنانية.
ثالثًا: إسناد الأمور إلى أهل الاختصاص في وقت الأزماتإنّ إسناد الشأن العامّ إلى أهل الاختصاص لإدارة القرار من أهمّ ما تحتاجه المجتمعات في الأزمات؛ حتى لا تتحوّل الشدّة إلى فوضى.
وهذا المعنى تدعمه آيتان واضحتان من سورة النساء تؤصّلان للآتي: الرجوع إلى أهل الحلّ والعقد.
وذلك في قوله تعالى: " يا أيّها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردّوه إلى الله والرسول"، إذ تؤسّس الآية لقاعدة الحوكمة في المجتمع وهي: اتّباع الأنظمة والتعليمات الصّادرة عن الجهات المعتبرة.
محاضر رئيس في معهد البحرين للدراسات المالية والمصرفيةمنع الفوضى الإعلاميّة في قول الله تعالى: " وإذا جاءهم أمرٌ من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردّوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم".
فليست كلّ معلومة تُذاع، ولا كلّ تقديرٍ يُترك للعامّة، إنّما تُرَدّ الأمور إلى الجهاتِ المختصّة القادرة على الاستنباط والتقييم؛ حمايةً للأمن المجتمعيّ.
رابعًا: محاربة الشائعات والتثبّت من الأخبارتكون الشائعة في زمن الأزمات أخطر من الحدث أحيانًا؛ لأنّها قد تُحدث هلعًا وانقسامًا واتهاماتٍ متبادلة.
وهنا تأتي قاعدة سورة الحجرات: " يا أيّها الذين آمنوا إن جاءكم فاسقٌ بنبأٍ فتبيّنوا أن تصيبوا قومًا بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين"؛ لتجعل التثبّت واجبًا قبل نقل الخبر أو بناء المواقف عليه؛ لأنّ الضرر لا يقع على الفرد وحده، بل يمتدّ إلى المجتمع كلّه.
خامسًا: التأصيل النبويّ (التكافل واجبٌ لا فضل)تأتي السنّة النبويّة لتجعل التضامن واقعًا معاشًا؛ فالمؤمنون كالجسد الواحد في التراحم والتوادّ.
وتظهر قاعدة الأخوّة العمليّة: " المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته".
ويحدّد معيار التضامن الاجتماعيّ بقوله صلّى الله عليه وسلّم: " لا يؤمن أحدكم حتى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه".
ثمّ يأتي التوجيه النبويّ للتأكيد على أهميّة التكافل بين أفراد المجتمع الواحد: " أيُّما أهلُ عَرْصَةٍ أصبحَ فيهم امرؤٌ جائعٌ فقد برئت منهم ذمَّةُ الله".
والتوجيه العمليّ لتحويل الفائض إلى الإنقاذ، فمن" كان معه فضلُ ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضلٌ من زاد فليعد به على من لا زاد له".
يتبيّن ممّا تقدّم أنّ التكافل في أزمنة الأزمات ليس مجرد شعار، إنّما هو منظومة متكاملة يأتلف فيها تعاونٌ على البرّ، وأخوّةٌ تُصلح ولا تُفرّق، وإيثارٌ عند الضيق، وإسنادٌ للأمر إلى أهل الخبرة يمنع الفوضى، وتثبتٌ من الأخبار يُحاصر الإشاعة، ومواجهةٌ للتثبيط والإرجاف ترفع المعنويات وتحفظ وحدة الصفّ.
وإذا اعتاد المجتمع التزام هذا المنهج القرآنيّ والنبويّ، فإنّه يصبح أقدر على تجاوز المحن، وأقرب إلى بناء مستقبلٍ أكثر أمنًا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك