عن قصد مسبق أو نتيجة تردّد، يترك دونالد ترامب العالم برمّته يتخبّط في بحر التكهّنات.
الكلُّ منقسمٌ حول ما إذا كان الرئيس الأهوج متّجهاً نحو مسار دبلوماسي حقيقي لإنهاء الحرب الحالية، أم أنّه يتخذ من المفاوضات" الغامضة" جسراً لنقل الحرب إلى مرحلة جديدة.
تجارب الخداع الطازجة لترامب على طاولة المفاوضات لا تزال ماثلةً بمراراتها ودروسها.
قياساً على ذلك، يصبح تخمين نيّات ترامب أسهل، والقول من ثمّ إنّ مراحل أخرى من الحرب مقبلة فعلاً، وهي قيد التحضير، فيما الحديث عن المفاوضات لا يتعدّى توفير الغطاء وشراء الوقت.
في يونيو/ حزيران الماضي، أربك ترامب المشهد العام بسيل من التصريحات المتناقضة خلال مفاوضاته مع إيران، وظنّ كثيرون أنّ صفقةً ثنائيةً تتبلور، وقيد التوقيع، في مسقط.
وما إن وصلت توقّعات الصفقة إلى أعلى نقطة ممكنة، حتى انطلقت الطائرات الأميركية والإسرائيلية لتقصف إيران بلا هوادة.
وقبل أكثر من شهر، في فبراير/ شباط الماضي، كرّر ترامب المسلسل ذاته؛ إذ فاوض إيران ورفع سقف توقّعات الوصول إلى صفقة، ثم شرع في القصف بالتنسيق مع إسرائيل.
عجرفة الخداع في المرّة الثانية لم يكن فيها حتى ولو محاولة" إبداع" أو إضافة جديدة للخداع الأول، مجرّد قصّ ولصق.
في كلا الخداعَين السابقَين، تحوّلت أنظار العالم نحو الدبلوماسية، بينما الضربات العسكرية كانت تُجهّز ثم تُنفّذ بكلّ حسم.
والآن نشهد فصول" الخداع الثالث"، ويمارسه ترامب علناً ويومياً خلف الميكروفونات، تماماً كما رأيناه يفعل في المرَّتَين السابقتَين: ثرثرة لا متناهية عن مفاوضات تحدث أو لا تحدث، يوازيها، بل يسابقها، مسار حشد عسكري وجلب قوات وسفن وبناء تحالفات، تُنبئ بأنّ الانتقال إلى المرحلة اللاحقة من الحرب محسوم ومرهون باستكمال التجهيزات.
في التفاصيل، يصرّ ترامب على أنّ ثمّة مفاوضات جارية مع إيران، وأنّ الإيرانيين يلهثون وراءه للوصول إلى صفقة تنهي الحرب.
إصرار ترامب هذا جزء من عملية الخداع الكُبرى، ويحقّق عدّة أهداف؛ أوّلها محاولة الظهور أمام العالم بأنّ واشنطن هي الطرف العقلاني الذي يسعى للخروج من الأزمة، بينما طهران هي" المعتدي" الذي يعرقل الحلّ برفضه المفاوضات.
وثانيها إيجاد مسار سياسي يسهّل اندراج الحلفاء التقليديين لأميركا، ممّن تردّدوا إزاء المسار العسكري، للاصطفاف خلف ترامب ودعمه في حربه، وهو دعم يصبح حيوياً إذا ما تصاعد الصراع إلى غزو برّي.
إغراق الأثير بالخطابات التفاوضية، والرغبة الأميركية الجامحة فيها، يمكّن ترامب من الزعم بأنّ جميع سبل خفض التصعيد قد استُنفدت، وأنّ إيران لا تريد التفاوض، ولا سبيل سوى مواصلة الحرب.
وفي التفاصيل أيضاً، يأتي ما طُرح على طهران وعُرف بـ" النقاط الخمس عشرة" قاعدةً للمحادثات؛ وهي قائمة" شروط تعجيزية قصوى"، كما وصفها الإيرانيون، وتبدو في جوهرها أقرب إلى صكّ استسلام كلّي منها إلى اتفاق لوقف إطلاق النار.
فهذه النقاط الطويلة، وذات السقوف العالية، صُمّمت لتُرفض، وتُذكّرنا بالشروط الأميركية التي قدّمتها واشنطن إلى صدّام حسين لتفادي الغزو سنة 2003.
آنذاك، كانت واشنطن تدرك أنّ صدام لن يوافق عليها، استناداً إلى معرفة شخصيته، وإلى اعتداده بذاته، كما تدرك اليوم أنّ الإيرانيين لن يوافقوا على ما يُفسَّر بأنّه استسلامهم.
رجحان احتمال استمرار الحرب يعزّزه النظر في الأهداف الإسرائيلية والأميركية المراد تحقيقها، وهي ليست واحدةفي هذه الأثناء، وهو المهم، يتسارع الحشد العسكري الأميركي في جبهات متعدّدة؛ إذ تتدفّق قوات المارينز والبارجات الأميركية إلى المنطقة يومياً، وباتت خطط احتلال جزر إيرانية استراتيجية في مضيق هرمز مادّةً للنقاش العام.
وبما أنّ حشد عشرات آلاف من الجنود وضمان التجهيزات العسكرية الأخرى يستغرق أسابيع، فإنّ جولات" المحادثات حول المحادثات" الطويلة وغير المثمرة توفّر التمويه المثالي لعمليات التعبئة المطلوبة للمرحلة التالية من الحرب.
يوفّر شراء الوقت المطلوب، من خلال الرطانة حول المفاوضات، مساحةً زمنيةً مهمّةً تنضج فيها تحوّلات سياسية عالمية وإقليمية داعمة للحرب بسبب آثارها الكارثية على الجميع.
ومن ذلك التشكّل التدريجي لتحالف يضمّ عشرات الدول تحت شعار وهدف إعادة فتح مضيق هرمز وتأمينه.
يضمّ هذا التجمّع، كما أُعلن، دولاً مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا واليابان والإمارات، التي تضرّرت بشدّة من إغلاق المضيق.
وبينما يُقدَّم هذا الجهد الجماعي مهمّةً مستقلّةً ومنفصلةً عن الحملة العسكرية الأميركية – الإسرائيلية الأوسع، يبدو الواقع أكثر قتامةً؛ فمن خلال التركيز حصراً على الممرّ الاستراتيجي، قد يعمل هذا التحالف، في حال نجاح تشكّله كياناً شبه متماسك، إطارَ دعم سياسي موسّع للحرب الأميركية – الإسرائيلية بشكل غير مباشر.
تاريخياً، تُقدّم القراءة الاسترجاعية لغزو العراق عام 2003 مؤشّرات دالّة، إن لم تكن مرعبة، على ما يُرتّب الآن لغزو إيران في 2026.
في مفاوضاتها مع العراق، من خلال مجلس الأمن، ترقّب العالم شهوراً من المحادثات العقيمة والشروط المتبادلة بين الطرفَين.
تبدّى لاحقاً أنّ تلك المفاوضات كلّها لم تكن سوى عملية شكلية هدفها شراء الوقت.
إذ بالتزامن معها، جمعت الولايات المتحدة حشداً عسكرياً هائلاً، وقوات بحرية وجوّية وبرّية، ونشرت عشرات الآلاف من قوات المارينز في المنطقة.
بعض من تشبّث بالتفاؤل يومها قال إنّ الحشد العسكري هدفه إخافة العراق وإجباره على قبول الشروط الأميركية بنزع سلاحه.
واقعياً، وبعيداً عن التمنّيات، كان الغزو حتمياً؛ ولم تكن المفاوضات آنذاك بديلاً من الحرب، بل كانت جزءاً جوهرياً من مخطّط إشعالها.
قبيل غزو العراق (وخلاله) عام 2003، كان النفوذ والضغط الإسرائيلي يُمارسان إلى حدّ كبير خلف الكواليس.
وكما وثّق أكاديميون وكتّاب موثوقون، أكثرهم أهمّيةً جون ميرشايمر وستيفن والت في كتابهما الشهير عن اللوبي الصهيوني في أميركا (2007)، كانت إسرائيل هي المحرّك الرئيس للحرب على العراق.
في الحرب الحالية، لم تعد إسرائيل خلف الكواليس، بل أمامها، ولم تعد قوّةً دافعةً فحسب، بل متصدّرةً للحرب برمّتها.
يساعد على استمرار الحرب توجيه إيران ضرباتها العسكرية إلى جوارها العربي المصدومرجحان احتمال استمرار الحرب يعزّزه النظر في الأهداف الإسرائيلية والأميركية المراد تحقيقها، وهي ليست واحدة.
في ما يخص الولايات المتحدة، لا تزال الأهداف غامضةً ومتقلّبةً، وغالباً ما ترتبط بآخر ما يصدر من ترامب من تصريحات هوجاء، لكن إذا أردنا ملاحقة ما هو واضح منها، فربّما نقول إنّها تتمحور حول تحييد القدرات النووية الإيرانية، وإضعاف إيران عموماً.
أما في ما يخص إسرائيل، فالأهداف أوسع نطاقاً بكثير؛ وهي لا تتوقّف عند التدمير الشامل للقدرات العسكرية النووية والتقليدية الإيرانية وتقييد التسلّح العسكري المستقبلي، بل تصل إلى إحداث فوضى داخلية تؤدّي إلى انهيار النظام، ولا بأس إن وصل الأمر إلى تقسيم إيران والخلاص منها دولةً موحّدةً متماسكة.
تحقيق هذه الأهداف الكُبرى، حتى في حدّها الأدنى، من خلال المفاوضات والدبلوماسية يبدو أمراً شبه مستحيل.
في ما يخص إسرائيل، مرّة أخرى، يمثّل سيناريو العراق ما بعد 2003 النتيجة المثالية، ولا يمكن بلوغها إلا باستمرار الحرب والتدخّل العسكري البرّي المدمّر.
ولهذا تمثّل الحرب الراهنة فرصةً ذهبيةً من النادر أن تتكرّر، وبها تحقّق إسرائيل هدفاً استراتيجياً عابراً للأجيال.
لذلك تدفع إسرائيل نحو تورّط أميركي عسكري أعمق، معادلته قائمة على أنّ المزيد من زجّ الولايات المتحدة في الحرب يشلّ قدرتها على الانسحاب بسهولة قبل تحقيق" نصر" واضح المعالم.
يساعد إسرائيل على ذلك المزاج اليميني" الصقوري" للدائرة المقرّبة من ترامب، وهو ما غذّته طيلة سنوات، ويتشارك مع نتنياهو في هدف التفتيت الشامل للدولة الإيرانية بما يزيلها نهائياً من" قائمة التهديدات"، نسخاً لمصير العراق في عام 2003.
تساعد على استمرار الحرب سياسات إيران نفسها وتوجيه ضرباتها العسكرية المؤلمة إلى جوارها العربي المصدوم.
ارتدّت استراتيجية إيران بمهاجمة دول الخليج للضغط العالمي عبر قطاعي النفط والغاز عكسياً، فسبّبت خلق خصوم إقليميين أكثر ممّا حقّقت من مكاسب سياسية.
وسواء كانت التقارير حول ضغوط سعودية وإماراتية من ترامب بـ" إنهاء المهمة" دقيقة أم لا، فإنّ المزاج السائد لدى حكومات وشعوب الخليج قد تغيّر، وبات أكثر تقبّلاً لحملة مطوّلة تنهي التهديدات الإيرانية المستقبلية لبلادها.
هذا التحوّل يعزّز سردية ترامب بأنّه يخوض حرباً دفاعية عن المنطقة بأكملها، وليس مجرّد حماية للمصالح الإسرائيلية.
وهكذا يطول أمد الصراع، وتتصاعد التكاليف البشرية والاقتصادية، وتتلاشى إمكانية التوصّل إلى حلّ وسط عبر المفاوضات.
من الصعب حالياً تصوّر توقّف هذه" الحرب المجنونة" في منتصف الطريق؛ فالزخم وراء استمرارها حتى تحقيق ما يسمّى بـ" النصر الكامل" يفوق بكثير الدعوات المتفرّقة لإيقافها عند نقطة تظهر فيها إيران وقد صمدت، ولم تنهَرْ، لأنّ عدم الانهيار بحدّ ذاته، وبرغم الإنهاك والإضعاف، يراه كثيرون هزيمة لإسرائيل وأميركا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك