في خطوة وصفت بأنها" إعادة رسم لخارطة الطاقة في المنطقة"، بدأت قوافل النفط العراقية عبور الأراضي السورية براً لأول مرة منذ عقود، تمهيداً لتصديرها عبر ميناء بانياس على البحر المتوسط.
يأتي هذا التطور في ظل تصاعد حدة التوترات في مضيق هرمز نتيجة المواجهات العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، مما دفع بغداد للبحث عن بدائل استراتيجية تضمن تدفق صادراتها النفطية التي تشكل عماد ميزانيتها العامة.
تفاصيل الاتفاق النفطي العراقي-السوريأعلنت وزارة النفط العراقية وشركة تسويق النفط" سومو" عن بدء تصدير" النفط الأسود" والنفط الخام عبر الشاحنات (براً) انطلاقاً من معبر الوليد الحدودي.
حجم الصادرات: كشف المدير العام لشركة" سومو" عن توقيع عقود لتوريد نحو 50,000 برميل يومياً من خام البصرة، مع خطط لزيادتها تدريجياً لتصل إلى 150,000 برميل يومياً عبر تشغيل نحو 800 شاحنة.
المسار: تنطلق القوافل من حديثة في العراق وصولاً إلى مصفاة وميناء بانياس السوري، وهو ما اعتبرته الشركة السورية للبترول" بداية لمرحلة جديدة من التعاون الاستراتيجي".
المكاسب الاقتصادية لدمشق وبغدادأوضح الدكتور أسامة القاضي، المستشار الاقتصادي، أن سوريا ستجني فوائد مباشرة من هذه الخطوة، حيث تُقدر عوائد رسوم العبور والموانئ والتفريغ بنحو 150 إلى 200 مليون دولار سنوياً.
وأضاف القاضي خلال لقاء حواري على قناة تلفزيون سوريا، أن الفائدة الأكبر لدمشق تكمن في إمكانية الحصول على حصص من النفط أو المشتقات بأسعار تفضيلية لسد العجز المحلي، حيث تحتاج سوريا إلى نحو 220,000 برميل يومياً، بينما لا يتجاوز إنتاجها الحالي 50,000 برميل.
من الجانب العراقي، قال الدكتور غازي فيصل حسين، الدبلوماسي السابق، إن هذا المنفذ يمثل" رئة" للاقتصاد العراقي الذي يعتمد بنسبة 92% على النفط لتأمين رواتب 8 ملايين موظف (بتكلفة 5 مليارات دولار شهرياً).
وأوضح أن الاعتماد على البحر المتوسط يقلل المخاطر المرتبطة بانسداد مضيق هرمز.
إحياء المشاريع الكبرى (كركوك - بانياس)واتفق الضيوف على أن النقل البري هو" حل إسعافي"، لكن الطموح الحقيقي يكمن في إعادة تاهيل خطوط الأنابيب.
وقال الدكتور أسامة القاضي إن خط" كركوك - بانياس" البالغ طوله 891 كم هو الخيار الأمثل، رغم أن تكلفة إعادة تأهيله قد تتراوح بين 6 إلى 10 مليارات دولار.
وأوضح أن نقل مليون ونصف برميل يومياً عبر الأنابيب سيوفر مليارات الدولارات سنوياً مقارنة بتكلفة الشحن البري الباهظة.
من جهته، أوضح الدكتور غازي فيصل أهمية مشروع" البصرة - حديثة - بانياس"، مشيراً إلى أن الجغرافيا السورية-العراقية المشتركة تسمح بتحويل سوريا إلى" عقدة طاقة عالمية" تربط الخليج بالبحر المتوسط.
التحديات الأمنية والسياسية والضوء الأخضر الأميركيرغم وجود تهديدات أمنية في البادية السورية (تنظيم داعش)، أوضح الدكتور أسامة القاضي أن هناك تنسيقاً أمنياً عالياً وتواجد لنحو 200,000 جندي متطوع لحماية هذا الشريان الاقتصادي.
وأضاف القاضي نقطة جوهرية مفادها أن هذه العمليات تجري بـ" ضوء أخضر أمريكي"، يهدف إلى تقليل النفوذ الإيراني على النفط العراقي وإيجاد بدائل لمضيق هرمز.
وقال إن تصريحات" توم براك" في واشنطن حول مستقبل سوريا كممر للطاقة تتناغم مع هذا التوجه الدولي.
من الناحية السياسية، قال الدكتور غازي فيصل إن هناك قراراً سياسياً واعياً في بغداد لتجاوز ضغوط التيارات الراديكالية المتحالفة مع إيران، والذهاب نحو" تكامل اقتصادي رباعي" يضم (العراق، سوريا، الأردن، مصر).
الرؤية المستقبلية (سوريا 2030)استعرض الدكتور القاضي أربعة مشاريع استراتيجية قد تحول وجه المنطقة:خط التابلين: إعادة تاهيله ليصب في بانياس بدلاً من صيدا.
خط كركوك - بانياس النفطي.
خط الغاز القطري: الذي قد يمد ذراعاً إلى بانياس لتصدير الغاز المسال.
القطار السريع: الذي يربط السعودية بشمال سوريا وصولاً إلى أوروبا.
واختتم الدكتور غازي فيصل بالتأكيد على ضرورة الانتقال من تصدير المادة الخام إلى الصناعات البتروكيمياوية، موضحاً أن تحويل برميل النفط إلى منتجات صناعية يرفع قيمته من 30 دولاراً إلى 2500 دولار، مما يضمن نهضة اقتصادية شاملة للبلدين.
يُدشن عبور النفط العراقي للأراضي السورية مرحلة" الجيواقتصاد" الجديد، حيث تفرض الضرورة الاقتصادية نفسها على الحسابات السياسية المعقدة.
فهل تنجح دمشق وبغداد في تحويل هذا" الحل الإسعافي" إلى تحالف استراتيجي مستدام ينهي عقوداً من الانقطاع؟ الأيام القادمة، ومدى استقرار الوضع الأمني، هي الكفيلة بالإجابة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك