في أحد مطابخ دمشق، تقلب ميليا وهي سيدة خمسينية قدراً من المجدرة على نار هادئة، في حين ترتب إلى جانبها طبقاً من السلطة النباتية.
تقول مبتسمة: " أكلنا صيامي خفيف".
في هذه الفترة من السنة، تمتنع عائلات مسيحية كثيرة في سوريا عن اللحوم ومشتقات الحليب، في تقليد ديني يمتد لأسابيع ويُعرف بـ" صوم الفصح"، وهو أطول فترات الصيام في التقويم المسيحي.
يمثل هذا الصوم محطة روحية أساسية لدى المسيحيين، إذ يسبق عيد الفصح الذي يعد أهم الأعياد في العقيدة المسيحية، حيث يحيي المؤمنون ذكرى قيامة السيد المسيح من الموت بحسب المعتقد المسيحي.
يمتد صوم فصح كنائس الشرقية لنحو 50 يوماً، ويبدأ عادة بما يعرف بـ" أحد المرفع"، وهو يوم تأكل فيه العائلات أكلة دسمة ويدعون بها اللحوم، ثم يدخلون في ما يسمى" الصوم الأربعيني"، وهو أربعون يوماً تحاكي بحسب التقليد المسيحي صيام السيد المسيح أربعين يوماً في البرية.
خلال هذه الفترة يلتزم كثير من المسيحيين بالامتناع عن تناول اللحوم ومشتقات الحليب والبيض والأسماك، ويعتمدون على نظام غذائي نباتي أساسه الخضار والبقوليات والزيوت.
أما عن العشرة أيام التي تلي الـ 40 يوم، فتقول كاترين البشارة: " نصومها لأنها أسبوع آلام السيد المسيح.
فالصوم كله هدفه الإحساس بالألم".
ولا يقام في هذه العشرة أيام التي تسبق أحد الفصح أي مظاهر مثل الأكليل أو العمادة التي تدل على الفرح فهي" أيام للآلام فقط".
ويشرح أنس داود لموقع تلفزيون سوريا عن" صلاة المدايح" التي تقام مرةً كل أسبوع وتمتد لخمس أسابيع من الصوم الكبيرة.
ويقول: " المدايح هي صلوات وترانيم كنسية تقام خلال فترة الصوم الكبير في الكنائس السريانية والأرثوذكسية، وتركّز على التأمل والتوبة والاستعداد الروحي لعيد الفصح".
كلمة" مدايح" تعني المدائح أو التسابيح، أي ترانيم تمجيد لله وتذكير بقصة الخلاص في العقيدة المسيحية، ويحمل كل أسبوع موضوعاً روحياً مختلفاً يرتبط بقصص من الكتاب المقدس، ويهدف إلى مساعدة المؤمنين على التأمل والاستعداد لعيد القيامة.
بعد هذه الأسابيع الخمسة يبدأ أسبوع الآلام، وهو أسبوع مختلف بطقوسه وصلواته التي تركز على أحداث صلب المسيح وقيامته حيث تقام في هذه الأيام صلوات خاصة تستذكر محطات مختلفة من قصة الصلب والقيامة، وصولاً إلى ليلة الفصح التي تعد من أهم المناسبات الدينية لدى المسيحيين.
أحد الشعانين.
" عيد الأطفال"قبل أسبوع واحد من عيد الفصح، يحتفل المسيحيون بـ" أحد الشعانين"، وهو عيد يحيي ذكرى دخول السيد المسيح إلى مدينة القدس أو" أورشليم" كما يسميها الكتاب المقدس لدى المسيحيين.
يرتبط أحد الشعانين بحدث أساسي في الرواية المسيحية، حيث تذكر الروايات الإنجيلية أن المسيح دخل المدينة راكباً على جحش، في مشهد يرمز إلى التواضع والسلام، لا إلى القوة أو السلطة.
وعندما وصل إلى المدينة استقبله الناس بترحاب كبير، وفرشوا الطريق أمامه بأغصان النخيل والزيتون وثيابهم، وهم يهتفون بعبارة" هوشعنا"، وهي كلمة ذات أصل عبري تعني" خلصنا" أو" أنقذنا".
وكان الناس يرون في دخوله تحقيقاً لنبوءات قديمة تتحدث عن دخول ملك متواضع إلى تلك المدينة، لذلك تحول هذا الحدث إلى لحظة احتفال ديني كبيرة في الذاكرة المسيحية.
في هذا اليوم تمتلئ الكنائس بالأطفال الذين يحملون سعف النخيل أو أغصان الزيتون والشموع المزينة.
وترتبط المناسبة في الذاكرة الشعبية بأجواء احتفالية خاصة، إذ يرتدي الأطفال ملابس جديدة ويرتدي الصغيرات ملابس بيضاء كرمز للنقاء والتواضع، وتتحول ساحات الكنائس في سوريا بعد القداس إلى مساحة تجمع للعائلات التي تأتي للاحتفال بهذه المناسبة.
وسط أيام الصوم الكبير، يأتي عيد البشارة في 25 آذار بوصفه يوماً مختلفاً يحمل طابع الفرح حتى داخل زمن الصيام.
يرتبط هذا العيد بذكرى بشارة الملاك جبرائيل للسيدة مريم بأنها ستلد السيد المسيح، ولذلك تسمح الكنيسة في هذا اليوم بتناول السمك رغم استمرار الصيام عن باقي الأطعمة الحيوانية.
ويُنظر إلى السمك تقليدياً على أنه طعام أخف من اللحوم، كما يحمل رمزية خاصة في المسيحية، إذ كان عدد من تلاميذ المسيح من الصيادين وارتبط ذكر السمك بعدة روايات إنجيلية.
وتقول مارين، وهي سيدة منزل، إن هذا التقليد حاضر في بيتها منذ سنوات طويلة، وتوضح: " في عيد البشارة نكسر روتين أكل الصيام ونحضّر السمك للعائلة، لأنه اليوم الوحيد خلال الصوم الكبير المسموح فيه بأكل السمك.
"وتضيف أن تحضير السمك في هذا اليوم أصبح عادة عائلية مرتبطة بذكريات الطفولة: " أحضّر السمك وأقليه بزيت الزيتون أو أحياناً في الفرن مع الليمون والثوم.
حتى الأولاد ينتظرون هذا اليوم لأنه يغيّر قليلاً من أكل الصيام.
"في مساء خميس الأسرار، وهو الخميس الذي يسبق أحد الفصح، يحرص بعض المسيحيين في سوريا -بعد انتهاء القداس الإلهي- على زيارة سبع كنائس مختلفة خلال ليلة واحدة، حيث يتنقلون بينها غالباً سيراً على الأقدام في تقليد روحي يُعرف باسم زيارة الكنائس السبع.
توضح كاترين بشارة لموقع تلفزيون سوريا أن هذا التقليد يرتبط بالرواية الإنجيلية للأحداث التي سبقت صلب السيد المسيح.
وتقول: " بعد العشاء الأخير اقتيد المسيح بين عدة محاكمات دينية وسياسية قبل الحكم عليه بالصلب، وزيارة الكنائس السبع ترمز لهذه المحطات التي مرّ بها خلال تلك الليلة.
"وتضيف أن المؤمنين ينتقلون من كنيسة إلى أخرى للصلاة لفترة قصيرة في كل منها، في محاولة لاستحضار تلك اللحظات من القصة الدينية.
" الناس تزور الكنائس وتصلي فيها واحدة تلو الأخرى، وكأنها ترافق المسيح في طريق الآلام قبل الصلب.
"ورغم أن هذا التقليد لا يُعد طقساً إلزامياً في الصلوات الكنسية الرسمية، فإنه ما يزال حاضراً في بعض المجتمعات المسيحية بوصفه ممارسة روحية تعبيرية، تقول بشارة: " هو ليس فرضاً كنسياً، لكنه تقليد شعبي روحي يعبّر عن المشاركة الرمزية في آلام المسيح قبل عيد القيامة.
"في يوم الجمعة التي تسبق عيد الفصح، تقام في الكنائس طقوس تعرف باسم الجمعة الحزينة أو الجمعة العظيمة، وهي صلوات تستذكر صلب السيد المسيح وموته بحسب الرواية الإنجيلية.
تصف ماريا معمر هذه اللحظات بأنها من أكثر الأيام تأثيراً في السنة الكنسية، وتقول إن أجواء الكنائس تتغير تماماً في ذلك اليوم.
" في الجمعة العظيمة كل شيء في الكنيسة يصبح هادئاً وحزيناً.
التراتيل بطيئة، والصلوات تتحدث عن الآلام التي مرّ بها المسيح قبل الصلب.
"وخلال هذه الصلوات تسود أجواء خشوع عميقة، إذ تخفَّت الأضواء أحياناً، فيما تُتلى تراتيل دينية تستعيد أحداث الصلب ومحطات الألم التي تسبق القيامة.
وتضيف معمر أن كثيراً من المؤمنين يتقدمون في نهاية الصلاة لتقبيل الصليب في طقس رمزي مؤثر: " الناس تقبّل الصليب وكأنها تعبّر عن حزنها ومشاركتها في آلام المسيح.
لحظة صامتة لكنها مليئة بالمشاعر".
يأتي سبت الأموات في اليوم الذي يسبق عيد الفصح مباشرة، ويعدّ من الأيام التي تحمل طابعاً روحياً خاصاً لدى كثير من المسيحيين في سوريا.
ففي هذا اليوم تقام صلوات في الكنائس من أجل أرواح الراحلين، ويزور بعض الناس قبور أقاربهم حاملين الشموع والزهور.
وتقول حنان بشارة إن هذا التقليد ما يزال حاضراً في حياة كثير من العائلات المسيحية، وتوضح: " نسميه سبت الأموات لأن الناس تصلّي فيه على أرواح موتاها قبل عيد القيامة.
نذهب إلى المقابر، نوقد الشموع ونصلي لأحبابنا الراقدين، ونشاركهن فرح القيامة.
"وتضيف أن هذا اليوم يحمل معنى روحياً خاصاً، إذ يأتي بين الحزن الذي يرافق ذكرى الصلب وبين الفرح الذي يعلنه عيد الفصح.
" الفكرة أن القيامة هي رجاء لكل من رحل.
لذلك نصلي في هذا اليوم لأجلهم قبل أن نحتفل نحن بالقيامة.
"في مساء السبت فجر الأحد، يعيش المسيحيون في كثير من المناطق السورية طقساً يعرف باسم" الهجمة"، وهو من اللحظات الرمزية التي تسبق إعلان القيامة داخل الكنائس.
يرتبط هذا الطقس بما يعرف في التقليد الكنسي بـ النور المقدس الذي يفيض -بحسب المعتقد المسيحي الشرقي- في كنيسة القيامة في مدينة القدس.
ويُعتقد أن هذا النور يظهر داخل القبر المقدس، وأنه يتحول إلى شعلة لا تحرق ما تلامسه في أول 33 دقيقة من إشعالها وترمز ال33 إلى عدد سنوات حياة المسيح على الأرض.
ويقول أنس داوود، من مدينة حمص، إن هذه الشعلة تُنقل بعد إشعالها في القدس إلى بلدان عديدة، ومنها إلى سوريا.
ويضيف أن شعلة النور وصلت في إحدى السنوات إلى قريته القريبة من مصياف في محافظة حماة، حيث استقبل الأهالي الشعلة في طقس احتفالي خاص فجر أحد الفصح.
فعادةً يحمل" كشاف" القرية الشعلة المقدسة ويسير بها من ساحة القرية باتجاه الكنيسة، في حين يتجمع الناس في الخارج بانتظار وصولها.
في تلك اللحظات تكون أبواب الكنيسة مغلقة، ويقف الكاهن والمؤمنون خارجها وهم يواصلون الصلاة.
عند وصول الشعلة، يقترب الكاهن من الباب المغلق ويطرقه، فيأتيه صوت من الداخل يسأل: " من الطارق؟ "فيرد الكاهن بصوت مرتفع: " افتح لملك المجد.
"يتكرر السؤال والجواب ثلاث مرات، قبل أن يُفتح الباب أخيراً.
عندها يدخل الكاهن حاملاً الشعلة إلى الكنيسة، ويعلن القيامة بالعبارة التي تُعدّ جوهر عيد الفصح في المسيحية: " المسيح قام.
"فيرد المؤمنون بصوت واحد: " حقاً قام.
"وفي تلك اللحظة تتحول الأجواء من الصمت والترقب إلى احتفال، إذ ترتفع أصوات التراتيل والزغاريد داخل الكنيسة، معلنة بداية عيد الفصح أهم الأعياد في العقيدة المسيحية.
كيف يحتفل المسيحيون في عيد الفصح؟من أكثر الرموز حضوراً في عيد الفصح بين المسيحيين في سوريا البيض الملوّن، وهو تقليد قديم تحافظ عليه العائلات جيلاً بعد جيل.
ففي الأيام التي تسبق العيد، تجتمع العائلات في المنازل لصبغ البيض بألوان مختلفة، في طقس بسيط لكنه يحمل دلالات رمزية مرتبطة بمعنى القيامة.
يرتبط البيض في التقليد المسيحي بفكرة الحياة الجديدة.
فكما يخرج الصوص من البيضة المغلقة، يُنظر إلى ذلك كرمز للقيامة وخروج الحياة من الموت.
لذلك أصبح البيض جزءاً من طقوس الفصح في كثير من الكنائس الشرقية والغربية على حد سواء.
يشارك الأطفال في تزيين البيض بألوان ورسومات مختلفة، حيث يفضّل بعض الناس تلوين البيض بمواد طبيعية كسلقه مع الشوندر الأحمر وقشور البصل أو الشاي ليكتسب البيض لون أحمر وأحياناً" المتة" للأخضر والملفوف الذي يعطيه لوناً أزرق، ومنهم من يفضل شراء لصاقات عليها رسوم ربيعية بألوان زاهية وعليها أرانب وصيصان ومنهم من يلون قشور البيض المسلوق بألوان مائية، غالباً توكل مهمة تلوين البيض لأطفال العائلات فيتحول الطقس إلى نشاط عائلي يسبق العيد.
وفي يوم الفصح نفسه، يتبادل الناس البيض الملوّن بعد انتهاء المعايدات إضافةً للمعمول السوري التقليدي، كما تنتشر عادة" المفاقسة"، حيث يضرب شخصان البيض ببعضه لمعرفة أيهما سيبقى سليماً.
ورغم بساطة هذه العادة، فإنها تحافظ على حضورها في كثير من البيوت السورية بوصفها جزءاً من أجواء العيد.
لماذا يوجد تاريخان لعيد الفصح؟يلاحظ كثيرون أن عيد الفصح لا يحتفل به في تاريخ واحد لدى جميع المسيحيين.
ففي بعض السنوات يأتي العيد مرتين بفارق أيام أو أسابيع، ويرجع هذا الاختلاف إلى أن الكنائس المسيحية تستخدم تقويمين مختلفين لتحديد موعد العيد.
فالكنائس الكاثوليكية والبروتستانتية تعتمد التقويم الغريغوري (الميلادي)، في حين تعتمد الكنائس الأرثوذكسية التقويم اليولياني الأقدم.
ويحدد عيد الفصح وفق قاعدة فلكية قديمة تعود إلى القرون الأولى للمسيحية، إذ يأتي العيد في أول يوم أحد بعد أول بدر كامل يلي الاعتدال الربيعي.
لكن اختلاف التقويمات يؤدي أحياناً إلى اختلاف التاريخ.
في سوريا، تحتفل بعض الكنائس بالفصح الغربي، في حين تحتفل كنائس أخرى بالفصح الشرقي، وهو ما يجعل البلاد تشهد أحياناً عيدين للفصح في العام نفسه وكذلك قد يتلاقى التقويمين في عيد واحد في بعض السنوات.
ويؤكد عدة أشخاص من المجتمع المحلي المسيحي لموقع تلفزيون سوريا أن الخلاف في التقويم وليس في العقيدة أو الاعتقاد بين الروم الأرثوذوكس والكاثوليك.
رغم التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها سوريا خلال السنوات الماضية، ما تزال طقوس الصوم والأعياد حاضرة في حياة كثير من العائلات المسيحية.
قد تختلف التفاصيل بين بيت وآخر، وقد تتغير بعض العادات مع مرور الزمن، لكن فكرة الصوم بوصفه فترة للتأمل الروحي والاستعداد للعيد ما تزال تشكل جزءاً أساسياً من الممارسة الدينية لدى المؤمنين.
وبين مطابخ البيوت وصلوات الكنائس واحتفالات الأطفال في أحد الشعانين، تستمر هذه التقاليد الدينية التي توارثتها الأجيال، لتبقى جزءاً من المشهد الاجتماعي والديني في سوريا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك