في القاعة المتعددة الوسائط بمكتبة مقاطعة نوريبرو وسط كوبنهاغن، تجري التحضيرات على قدم وساق للاحتفال، فالموسيقيون من الطراز التقليدي يعملون على إنهاء البروفة الأخيرة، في حين وضعت المقبلات الشامية على الطاولات، ويجري تحضير الشاي والقهوة.
في ثالث أيام عيد الفطر، دعت منظمة فنجان الجالية السورية في هذه المدينة لحفلة موسيقية.
على خشبة المسرح، غنى مطرب برفقة كمان ودربكة وغيتار بعضاً من أشهر الأغاني في منطقة الشرق الأوسط، وارتدى الضيوف من أجل هذه المناسبة ملابس العيد، وسرعان ما ردد كل من في القاعة كلمات تلك الأغاني التي كانوا يسمعونها في سوريا.
وبين الطاولات، تطوف دانا البيطار، 29 عاماً، لتعمل على خدمتها، وهي ترتدي فستاناً أزرق طويلاً اختارت له مجوهرات تناسبه، لكنها لم تستطع مقاومة رغبتها بالرقص، فقد وصلت تلك السورية من حمص إلى الدنمارك قبل أيام قليلة من بلوغها الثامنة عشرة، أي قبل أحد عشر عاماً.
واليوم، صارت تتحدث الدنماركية، وهي تدرس فنون الطبخ بدوام جزئي حتى تصبح طاهية، غير أنها ما تزال تشعر بأنها غريبة في هذا المكان، إذ عليها أن تجدد إقامتها في العام المقبل، ولهذا تشعر بتوتر شديد، بما أن الجواب يمكن أن يأتي بالرفض.
ويعود سبب قلقها إلى أن السوريين الذين استفادوا من لم شمل العائلة عندما كانوا قاصرين بمجرد أن يصلوا إلى سن الرشد، تجري دراسة حالاتهم بشكل فردي وذلك عند تجديدهم للإذن بالإقامة.
وفي حال رأت السلطات الدنماركية بأن الشخص لن يتعرض لأي أذى في حال عودته إلى سوريا، فيمكن أن يرفضوا تجديد إقامته، على الرغم من أن ذلك لا يحدث إلا نادراً على أرض الواقع.
شرحت تلك الفكرة إيفا سينغر، رئيسة قسم اللجوء لدى المجلس الدنماركي للاجئين، فقالت: " إن ذلك يعتمد بشكل كبير على تجديد والد ووالدة الشخص لإقامتهما في الدنمارك.
وفي حال اندماج هذا الشخص بشكل كبير في الدنمارك، فسيكون ذلك مهماً للغاية عند نظر السلطات في أمر تجديد إقامته، كما أنهم سيدرسون ما يربط هذا الشخص بالدنمارك، وهل تعلم اللغة أم لا، وهل لديه عمل يزاوله؟ وهل أنهى تدريباً معيناً في مجال ما؟ فإذا كان الجواب (نعم) على كل ذلك، فإن السلطات ستجدد الإقامة على الأرجح، حتى لو تغير الوضع في سوريا".
منذ عام 2019، تشددت رئيسة الوزراء مته فريدريكسن من الحزب الديمقراطي الاجتماعي في سياسة الهجرة بتأثير من أحزاب اليمين واليمين المتطرف، وذلك على أمل استقطاب الناخبين الراغبين في الانتقال من تكتل سياسي إلى آخر.
وهكذا وضعت نصب عينيها وضع 45 ألف لاجئ ولاجئة سوريين في بلدها.
لا يتوقع أحد من نتائج الانتخابات البرلمانية التي جرت في 24 آذار أن تغير هذا الوضع، فقد فاز حزب رئيسة الوزراء المنتهية ولايتها بغالبية الأصوات، بعد أن عانى من ضعف شديد منذ عام 2022، فخسر 12 مقعداً في البرلمان.
لذا، ومن دون الأغلبية، يتعين على رئيسة الوزراء المنتهية ولايتها تشكيل حكومة ائتلافية مع الليبراليين والمعتدلين في يمين الوسط.
رئيسة الوزراء الدنماركية مته فريدريكسنتهدد تلك التحالفات بفرض تشديد أكبر على سياسات الهجرة، والدنمارك بالأصل من الدول الأوروبية القليلة التي لا تمنح إلا حماية مؤقتة للاجئ، ولهذا ينصح من يرفض طلب لجوئه أن يتعاون مع السلطات الدنماركية وأن يعود إلى بلده الأصلي من تلقاء نفسه، وإلا فسيجري إرساله إلى مركز ترحيل إلى أن يحين موعد ترحيله، والأنكى من ذلك أن الأجنبي الذي أدين بحكم صادر عن المحكمة يجري ترحيله إلى بلده بعد أن يمضي فترة عقوبته في الدنمارك.
ليسوا سوريين 100% ولا دنماركيين 100%وصلت دانا البيطار إلى الدنمارك عبر لم شمل عائلي بعد أن حصلت والدتها على حق اللجوء في ذلك البلد، ومنذ وصولها، لم تحصل إلا على إذن بالإقامة مدته عامان، وتشرح لنا وضعها بقولها: " ترى السلطات الدنماركية بأنني بوسعي العودة إلى سوريا، ولكني أنحدر من حمص، وقد دمر بيتنا، وثمانون بالمئة من مدينتنا مدمر.
بالطبع أشتاق لبلدي، فقد عشت هناك 18 عاماً، وأود زيارة سوريا، لكني لا أفكر بالاستقرار هناك.
فأنا معلّقة بين عالمين، إذ لا يمكنني أن أكون سورية 100%، كما أنني لست دنماركية 100%".
تستشيط ميكالا بيندكسن غضباً لدى سماعها لأي خطاب معاد للهجرة من السياسيين الدنماركيين، فقبل عشرين عاماً، بدأت مصممة الغرافيك هذه عملها على مشكلات اللجوء، فأسست جمعية (مرحباً باللاجئين) التي أصبحت من المنظمات الرائدة اليوم في تقديم المساعدة القانونية للمهاجرين.
وعشية الانتخابات البرلمانية التي أقيمت في 24 آذار، خرجت مرتدية سترة وبنطال جينز رمادي اللون، ومن أمام المكتبة الضخمة الموجودة في شقتها بكوبنهاغن، علقت على الأفكار اليمينية المتطرفة التي اصطبغ بها هذا الجدل، فكان مما قالته: " لدى حزب الشعب الدنماركي دوماً هذه الاستراتيجية القائمة على التصريح بأمر يبدو متطرفاً وعبثياً، لكنه مستحيل أيضاً، غير أنه يوسع باستمرار حدود ما يعتبر طبيعياً".
ولتعبر عن مدى غضبها، قالت: " لقد اكتشفوا نقطة ضعف اللاجئين والتي تتمثل بإبقائهم على الدوام في هذه الحالة من التوتر بحيث لا يعرفون ما الذي سيحمله المستقبل لهم.
وبالنسبة للأشخاص الذين خسروا كل شيء، وترتب عليهم إعادة بناء كل شيء، من المستحيل أن يقبلوا البدء من جديد مرة أخرى".
معظم اللاجئين السوريين الموجودين في الدنمارك لم يعد لديهم أهل في سوريا، أي أن مستقبلهم في الدنمارك، إلا أن التغيرات التي تطرأ بين الفينة والأخرى على القانون المتعلق بشروط الحصول على الإقامة الدائمة يصعّب مسألة الاستقرار بشكل دائم في هذا البلد.
ويشرح لنا هذا الوضع آغوب يعقوب من جمعية فنجان والذي درس قبل أن يصبح عاملاً في المجال الاجتماعي، فيقول: " عندما وصلت [إلى الدنمارك]، كان بوسع المرء الحصول على إقامة دائمة عبر الدراسة هنا، إلا أن الوضع تغير، وبات على المرء اليوم أن يكون قد عمل بدوام كامل لما لا يقل عن ثلاث سنوات ونصف بعد أن ينهي دراسته حتى يحق له الحصول على إقامة دائمة".
اللاجئ السوري والعضو في جمعية (فنجان) آغوب يعقوبوإضافة إلى ذلك، ثمة كثير من المعايير للحصول على الإقامة الدائمة، إذ تقول إيفا سينغر من المجلس الدنماركي للاجئين: " يجب أن تكون قد عشت في الدنمارك لمدة لا تقل عن ثماني سنوات، وأن تكون وصلت إلى مستوى معين في تعلم اللغة الدنماركية، وألا تكون عليك ديون أو أحكام جنائية".
وهذه المعايير تستثني عدداً من اللاجئين، وخاصة من ما تزال معرفتهم باللغة الدنماركية ضعيفة، ومن دون الحصول على الإقامة الدائمة، يستحيل على المرء أن يحصل في يوم من الأيام على الجنسية الدنماركية، وبالتالي التصويت في الانتخابات العامة.
تستنكر إيفا سينغر كل ذلك بقولها: " إننا نواجه وبكل وضوح مشكلة في الديمقراطية بسبب عدم قدرة شريحة كبيرة من السكان على التصويت في الانتخابات، فهؤلاء الأشخاص سيبقون في الدنمارك، بما أنهم يعيشون ويعملون فيها، ويدفعون الضرائب، من دون أن يكون لديهم أي تأثير سياسي".
فكر عاصم سويد، مؤسسة جمعية فنجان، بدخول معترك السياسة الدنماركية خلال مرحلة من المراحل، وعن ذلك يقول: " كنت أرغب بأن أفيد المجتمع الدنماركي، إذ بقيت أشعر بأني سوري بنسبة 50% ودنماركي بالنسبة نفسها أيضاً، ولكن في نهاية الأمر، تخليت عن هذا الحلم، عندما أدركت بأن هذا المجتمع لن يتقبلني فعلاً"، ولهذا صار يركز جهوده اليوم على دعم مشاريع إعادة الإعمار التي يخرج بها المجتمع المدني السوري، ويحدثنا عن مواجهته لصعوبة كبيرة في تحشيد الجالية السورية بكوبنهاغن من أجل هذه القضية، بما أن معظم السوريين هناك قد طووا تلك الصفحة من حياتهم بشكل نهائي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك